فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 358

35 -كتاب السلم[1]

وهو بيع من البيوع أثبته الإمام البخاري لأنه غالبًا ما يقع فيه أعمال ربوية، فأراد إثبات الأصل وهو الجواز، ثم تفصيل الأعمال الربوية العارضة حتى لا تغلب هذه

(1) مِن معانِي السّلمِ فِي لُغةِ العربِ: الإِعطاءُ، والتّسلِيفُ يُقالُ: أسلم الثّوب لِلخيّاطِ أي: أعطاهُ إيّاهُ.

والسّلمُ فِي الِاصطِلاحِ: عِبارةٌ عن (بيعِ موصُوفٍ فِي الذِّمّةِ بِبدلٍ يُعطى عاجِلًا)

وثبتت مشرُوعِيّةُ عقدِ السّلمِ بِالكِتابِ والسُّنّةِ والإِجماعِ:

أمّا الكِتابُ: فقولُهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} . قال ابنُ عبّاسٍ - رضي الله عنه: (أشهدُ أنّ السّلف المضمُون إلى أجلٍ مُسمًّى قد أحلّهُ اللّهُ فِي كِتابِهِ وأذِن فِيهِ، ثُمّ قرأ هذِهِ الآية. ووجهُ الدّلالةِ فِي الآيةِ الكرِيمةِ: أنّها أباحت الدّين. والسّلمُ نوعٌ مِن الدُّيُونِ، قال ابنُ العربِيِّ:) الدّينُ هُو عِبارةٌ عن كُلِّ مُعاملةٍ كان أحدُ العِوضينِ فِيها نقدًا، والآخرُ فِي الذِّمّةِ نسِيئةً، فإِنّ العين عِند العربِ ما كان حاضِرًا، والدّين ما كان غائِبًا (. فدلّت الآيةُ على حِلِّ المُدايناتِ بِعُمُومِها، وشملت السّلم بِاعتِبارِهِ مِن أفرادِها، إذ المُسلمُ فِيهِ ثابِتٌ فِي ذِمّةِ المُسلمِ إليهِ إلى أجلِهِ.

وأمّا السُّنّةُ: فما روى ابنُ عبّاسٍ -رضي الله عنهما- عن رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنّهُ قدِم المدِينة والنّاسُ يُسلِفُون فِي التّمرِ السّنتينِ والثّلاث، فقال عليه الصلاة والسلام: من أسلف فِي تمرٍ فليُسلِف فِي كيلٍ معلُومٍ ووزنٍ معلُومٍ إلى أجلٍ معلُومٍ (متفق عليه) .

فدلّ الحدِيثُ الشّرِيفُ على إباحةِ السّلمِ وعلى الشُّرُوطِ المُعتبرةِ فِيهِ

وأمّا الإِجماعُ: فقال ابنُ المُنذِرِ: أجمع كُلُّ من نحفظُ عنهُ مِن أهلِ العِلمِ على أنّ السّلم جائِزٌ.

والحِكمةُ من مشرُوعِيّةِ السّلمِ: إنّ عقد السّلمِ مِمّا تدعُو إليهِ الحاجةُ، ومِن هُنا كان فِي إباحتِهِ رفعٌ لِلحرجِ عن النّاسِ، فالمُزارِعُ مثلًا قد لا يكُونُ عِندهُ المالُ الّذِي يُنفِقُهُ فِي إصلاحِ أرضِهِ وتعهُّدِ زرعِهِ إلى أن يُدرِك، ولا يجِدُ من يُقرِضُهُ ما يحتاجُ إليهِ مِن المالِ، ولِذلِك فهُو فِي حاجةٍ إلى نوعٍ مِن المُعاملةِ يتمكّنُ بِها مِن الحُصُولِ على ما يحتاجُ إليهِ مِن المالِ، وإِلّا فاتت عليهِ مصلحةُ استِثمارِ أرضِهِ، وكان فِي حرجٍ ومشقّةٍ وعنتٍ، فمِن أجلِ ذلِك أُبِيح السّلمُ .. وقد أشار إلى هذِهِ الحِكمةِ ابنُ قُدامة فِي المُغنِي حيثُ قال:) ولِأنّ المُثمّن فِي البيعِ أحدُ عِوضي العقدِ، فجاز أن يثبُت فِي الذِّمّةِ كالثّمنِ، ولِأنّ بِالنّاسِ حاجةً إليهِ؛ لِأنّ أرباب الزُّرُوعِ والثِّمارِ والتِّجاراتِ يحتاجُون إلى النّفقةِ على أنفُسِهِم وعليها لِتكمُل، وقد تعُوزُهُم النّفقةُ، فجُوِّز لهُم السّلمُ لِيرتفِقُوا ويرتفِق المُسلِمُ بِالِاستِرخاصِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/25/ 191)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت