فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 358

فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [المائدة: 106] .

84 -كتاب الحدود[1]:

والحدود من الفرائض بدليل ترتيب قول الله عز وجل: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا

(1) الحُدُودُ: جمعُ حدٍّ، وهُو فِي اللُّغةِ المنعُ، ومِنهُ سُمِّي كُلٌّ مِن البوّابِ والسّجّانِ حدّادًا، لِمنعِ الأوّلِ مِن الدُّخُولِ، والثّانِي مِن الخُرُوجِ. وسُمِّي المُعرِّفُ لِلماهِيّةِ حدًّا، لِمنعِهِ مِن الدُّخُولِ والخُرُوجِ. وحُدُودُ اللّهِ تعالى محارِمُهُ، لقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} .

والحدُّ فِي الِاصطِلاحِ: عُقُوبةٌ مُقدّرةٌ وجبت حقًّا لِلّهِ تعالى، وعرّفهُ الشّافِعِيّةُ والحنابِلةُ بِأنّهُ عُقُوبةٌ مُقدّرةٌ على ذنبٍ وجبت حقًّا لِلّهِ تعالى كما فِي الزِّنى، أو اجتمع فِيها حقُّ اللّهِ وحقُّ العبدِ كالقذفِ فليس مِنهُ التّعزِيرُ لِعدمِ تقدِيرِهِ، ولا القِصاصُ لِأنّهُ حقٌّ خالِصٌ لِآدمِيٍّ. وعِند بعضِ الفُقهاءِ: هُو عُقُوبةٌ مُقدّرةٌ بِتقدِيرِ الشّارِعِ، فيدخُلُ القِصاصُ. ويُطلقُ لفظُ الحدِّ على جرائِمِ الحُدُودِ مجازًا، فيُقالُ: ارتكب الجانِي حدًّا، ويُقصدُ أنّهُ ارتكب جرِيمةً ذات عُقُوبةٍ مُقدّرةٍ شرعًا.

وإقامةُ الحُدُودِ فرضٌ على ولِيِّ الأمرِ ودلِيلُ ذلِك الكِتابُ والسُّنّةُ والإِجماعُ، والمعقُولُ:

أمّا الكِتابُ فمِنهُ قوله تعالى فِي الزِّنى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . وفِي السّرِقةِ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} الآية وفِي حدِّ القذفِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} وفِي قطعِ الطّرِيقِ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} الآية.

وأمّا السُّنّةُ: فحدِيثُ ماعِزٍ والغامِدِيّةِ، والعسِيفِ وغيرِها مِن الأحادِيثِ المشهُورةِ.

وقد وقع الإِجماعُ على وُجُوبِ إقامةِ الحُدُودِ.

وأمّا المعقُولُ: فهُو أنّ الطِّباع البشرِيّة، والشّهوة النّفسانِيّة مائِلةٌ إلى قضاءِ الشّهوةِ، واقتِناصِ الملاذِ، وتحصِيلِ مقصُودِها ومحبُوبِها مِن الشُّربِ والزِّنى والتّشفِّي بِالقتلِ وأخذِ مالِ الغيرِ، والِاستِطالةِ على الغيرِ بِالشّتمِ والضّربِ، فاقتضت الحِكمةُ شرع هذِهِ الحُدُودِ حسمًا لِهذا الفسادِ، وزجرًا عن ارتِكابِهِ، لِيبقى العالمُ على نظمِ الِاستِقامةِ، فإِنّ إخلاء العالمِ عن إقامةِ الزّاجِرِ يُؤدِّي إلى انحِرافِهِ، وفِيهِ مِن الفسادِ ما لا يخفى. ولِذا قال صاحِبُ الهِدايةِ: والمقصِدُ الأصلِيُّ مِن شرعِهِ الِانزِجارُ عمّا يتضرّرُ بِهِ العِبادُ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/17/ 132)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت