الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ» [1] .
قال الراوي: ليس حديث الخازن الأمين من هذا الباب؛ لأنه لا ذكر للإجارة فيه.
رد عليه ابن التين قائلًا: إنما أراد البخارى أن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير.
وقال ابن بطال: إنما أدخله في هذا الباب لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه.
قال الكرماني: دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال.
42 -الشرب [2] والمساقاة [3] :
(1) (متفق عليه) أخرجه البخاري في (الإجارة/بـ استئجار الرجل الصالح/2260) ، ومسلم في (الزكاة/بـ أجر الخازن الأمين ... /1023) من حديث أبي موسى الأشعري.
(2) الشُّربُ - بِالضّمِّ - لُغةً: تناوُلُ كُلِّ مائِعٍ ماءً كان أو غيرهُ. ويستعمِلُ الفُقهاءُ هذا اللّفظ بِنفسِ المعنى اللُّغوِيِّ.
والأصلُ جوازُ شُربِ المشرُوباتِ كُلِّها إلّا ما قامت دلالةُ تحرِيمِهِ. وإِذا كان تركُ الشُّربِ يُتلِفُ نفس الإِنسانِ أو بعض أعضائِهِ أو يُضعِفُهُ عن أداءِ الواجِباتِ فواجِبٌ عليهِ أن يشرب ما يزُولُ معهُ خوفُ الضّررِ.
وقال القُرطُبِيُّ: أمّا ما تدعُو الحاجةُ إليهِ وهُو ما سكّن الظّمأ فمندُوبٌ إليهِ عقلًا وشرعًا لِما فِيهِ مِن حِفظِ النّفسِ وحِراسةِ الحواسِّ.
وقال الجصّاصُ: أمّا الحالُ الّتِي لا يخافُ الإِنسانُ ضررًا فِيها بِتركِ الشُّربِ فالشُّربُ مُباحٌ. وقد اُختُلِف فِي شُربِ الزّائِدِ على قدرِ الحاجةِ على قولينِ: فقِيل حرامٌ. وقِيل مكرُوهٌ. قال ابنُ العربِيِّ: وهُو الصّحِيحُ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/25/ 362)
(3) المُساقاةُ فِي اللُّغةِ: مُفاعلةٌ مِن السّقيِ - بِفتحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ - وهِي دفعُ النّخِيلِ والكُرُومِ إلى من يعمُرُهُ ويسقِيهِ ويقُومُ بِمُصلِحتِهِ، على أن يكُون لِلعامِلِ سهمٌ (نصِيبٌ) والباقِي لِمالِكِ النّخِيلِ. وأهلُ العِراقِ يُسمُّونها المُعاملة. ولا يخرجُ المعنى الِاصطِلاحِيُّ عن المعنى اللُّغوِيِّ. قال الجُرجانِيُّ: هِي دفعُ الشّجرِ إلى من يُصلِحُهُ بِجُزءِ مِن ثمرِهِ.
وقد اختلف الفُقهاءُ فِي حُكمِ المُساقاةِ على أقوالٍ:
القولُ الأوّلُ: أنّها جائِزةٌ شرعًا، وهُو قولُ المالِكِيّةِ، والحنابِلةِ، والشّافِعِيّةِ، ومُحمّدٍ وأبِي يُوسُف مِن الحنفِيّةِ، وعليهِ الفتوى عِندهُم. واستدلُّوا بِحدِيثِ ابنِ عُمر رضِي اللّهُ عنهُما أنّ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر اليهُود أن يعملُوها ويزرعُوها ولهُم شطرُ ما يخرجُ مِنها. (متفق عليه) .
القولُ الثّانِي: أنّها مكرُوهةٌ، وحُكِي هذا القولُ عن إبراهِيم النّخعِيِّ والحسنِ.
القولُ الثّالِثُ: أنّها غيرُ مشرُوعةٍ، وهُو قولُ أبِي حنِيفة وزُفر.
واستدلُّوا بِحدِيثِ رافِعِ بنِ خدِيجٍ رضِي اللّهُ عنهُ حيثُ جاء فِيهِ من كانت لهُ أرضٌ فليزرعها أو لِيُزرِعها، ولا يُكارِها بِثُلُثِ ولا رُبُعٍ ولا بِطعامِ مُسمًّى. (متفق عليه) ، وهذا الحدِيثُ وإِن كان وارِدًا فِي المُزارعةِ غير أنّ معنى النّهيِ - وهُو الكِراءُ بِجُزءِ مِن الخارِجِ مِن الأرضِ - وارِدٌ فِي المُساقاةِ أيضًا. كما استدلُّوا بِحدِيثِ: نهى رسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بيعِ الغررِ. (رواه مسلم) ، وغررُ المُساقاةِ مُتردّدٌ بين ظُهُورِ الثّمرةِ وعدمِها، وبين قِلّتِها وكثرتِها، فكان الغررُ أعظمُ، فاقتضى أن يكُون القولُ بِإِبطالِها أحقُّ.
ورد على ذلك ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين 1/ 291) فِي بيانِ أنّهُ ليس فِي الشّرِيعةِ شيءٌ على خِلافِ القِياسِ. وأنّ ما يُظنُّ مُخالفتُهُ لِلقِياسِ فأحدُ الأمرينِ لازِمٌ فِيهِ ولا بُدّ: إمّا أن يكُون القِياسُ فاسِدًا، أو يكُون ذلِك الحُكمُ لم يثبُت بِالنّصِّ كونُهُ مِن الشّرعِ. وسألتُ شيخنا - قدّس اللّهُ رُوحهُ - عمّا يقعُ فِي كلامِ كثِيرٍ مِن الفُقهاءِ مِن قولِهِم (هذا خِلافُ القِياسِ) لِما ثبت بِالنّصِّ أو قولِ الصّحابةِ أو بعضِهِم، ورُبّما كان مُجمعًا عليهِ، كقولِهِم: طهارةُ الماءِ إذا وقعت فِيهِ نجاسةٌ (على) خِلافِ القِياسِ ... والمُزارعةُ، والمُساقاةُ ... كُلُّ ذلِك على خِلافِ القِياسِ، فهل ذلِك صوابٌ أم لا؟ فقال: ليس فِي الشّرِيعةِ ما يُخالِفُ القِياس. فمن رأى شيئًا مِن الشّرِيعةِ مُخالِفًا لِلقِياسِ فإِنّما هُو مُخالِفٌ لِلقِياسِ الّذِي انعقد فِي نفسِهِ، ليس مُخالِفًا لِلقِياسِ الصّحِيحِ الثّابِتِ فِي نفسِ الأمرِ، وحيثُ علِمنا أنّ النّصّ ورد بِخِلافِ قِياسٍ علِمنا قطعًا أنّهُ قِياسٌ فاسِدٌ، بِمعنى أنّ صُورة النّصِّ امتازت عن تِلك الصُّورِ الّتِي يُظنُّ أنّها مِثلُها بِوصفٍ أوجب تخصِيص الشّارِعِ لها بِذلِك الحُكمِ. فليس فِي الشّرِيعةِ ما يُخالِفُ قِياسًا صحِيحًا، ولكِن يُخالِفُ القِياس الفاسِد، وإِن كان بعضُ النّاسِ لا يعلمُ فسادهُ ... فالّذِين قالُوا: ( ... المُساقاةُ والمُزارعةُ على خِلافِ القِياسِ) ظنُّوا أنّ هذِهِ العُقُود مِن جِنسِ الإِجارةِ؛ لِأنّها عملٌ بِعِوضٍ، والإِجارةُ يُشترطُ فِيها العِلمُ بِالعِوضِ والمُعوّضُ، فلمّا رأوا العمل والرِّبح فِي هذِهِ العُقُودِ غير معلُومينِ قالُوا: هِي على خِلافِ القِياسِ. وهذا مِن غلطِهِم، فإِنّ هذِهِ العُقُود مِن جِنسِ المُشاركاتِ، لا مِن جِنسِ المُعاوضاتِ المحضةِ الّتِي يُشترطُ فِيها العِلمُ بِالعِوضِ والمُعوّضِ، والمُشاركاتُ جِنسٌ غيرُ جِنسِ المُعاوضاتِ. اهـ.
والحِكمةُ فِي تشرِيعِ المُساقاةِ تحقِيقُ المصلحةِ ودفعُ الحاجةِ، فمِن النّاسِ من يملِكُ الشّجر ولا يهتدِي إلى طُرُقِ استِثمارِهِ أو لا يتفرّغُ لهُ، ومِنهُم من يهتدِي إلى الِاستِثمارِ ويتفرّغُ لهُ ولا يملِكُ الشّجر، فمسّت الحاجةُ إلى انعِقادِ هذا العقدِ بين المالِكِ والعامِلِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/37/ 116)