تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: 12] .
ثم جاء بعده: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] .
وهي من الأحكام التي لا تقل أهمية عن الفرائض .. من حيث التأثير فيها، لا يكون إلا منها مثل درء الحدود بالشبهات ومثل عدم بلوغ الحد السلطان، وهذا المعنى الوارد في قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] حيث إن المقصود بفرضناها الأحكام المتعلقة بالحدود مثلما سميت به أحكام المواريث.
(1) الدِّياتُ: جمعُ دِيةٍ، وهِي فِي اللُّغةِ مصدرُ ودى القاتِلُ القتِيل يدِيّهِ دِيةً إذا أعطى ولِيّهُ المال الّذِي هُو بدلُ النّفسِ، وأصلُها ودِيةٌ، فهِي محذُوفةُ الفاءِ كعِدةٍ مِن الوعدِ وزِنةٍ مِن الوزنِ. وكذلِك هِبةٌ مِن الوهبِ. والهاءُ فِي الأصلِ بدلٌ مِن فاءِ الكلِمةِ الّتِي هِي الواوُ، ثُمّ سُمِّي ذلِك المالُ (دِيةً) تسمِيةً بِالمصدرِ.
وفِي الِاصطِلاحِ: عرّفها بعضُ الحنفِيّةِ بِأنّها اسمٌ لِلمالِ الّذِي هُو بدلُ النّفسِ. ومِثلُهُ ما ذُكِر فِي كُتُبِ المالِكِيّةِ. حيثُ قالُوا فِي تعرِيفِها: هِي مالٌ يجِبُ بِقتلِ آدمِيٍّ حُرٍّ عِوضًا عن دمِهِ. لكِن قال فِي تكمِلةِ الفتحِ: الأظهرُ فِي تفسِيرِ الدِّيةِ ما ذكرهُ صاحِبُ الغايةِ آخِرًا مِن أنّ الدِّية: اسمٌ لِضمانٍ (مُقدّرٍ) يجِبُ بِمُقابلةِ الآدمِيِّ أو طرفٍ مِنهُ، سُمِّي بِذلِك؛ لِأنّها تُؤدّى عادةً وقلّما يجرِي فِيها العفوُ؛ لِعِظمِ حُرمةِ الآدمِيِّ. وهذا ما يُؤيِّدُهُ العدوِيُّ مِن فُقهاءِ المالِكِيّةِ حيثُ قال بعد تعرِيفِ الدِّيةِ: إنّ ما وجب فِي قطعِ اليدِ مثلًا يُقالُ لهُ دِيةٌ حقِيقةً، إذ قد وقع التّعبِيرُ بِهِ فِي كلامِهِم.
أمّا الشّافِعِيّةُ والحنابِلةُ فعمّمُوا تعرِيف الدِّيةِ لِيشمل ما يجِبُ فِي الجِنايةِ على النّفسِ وعلى ما دُون النّفسِ. قال الشّافِعِيّةُ: (هِي المالُ الواجِبُ بِالجِنايةِ على الحُرِّ فِي نفسٍ أو فِيما دُونها) .
وقال الحنابِلةُ: (إنّها المالُ المُؤدّى إلى مجنِيٍّ عليهِ، أو ولِيِّهِ، أو وارِثِهِ بِسببِ جِنايةٍ) . وتُسمّى الدِّيةُ عقلًا أيضًا، وذلِك لِوجهينِ: أحدُهُما أنّها تعقِلُ الدِّماء أن تُراق، والثّانِي أنّ الدِّية كانت إذا وجبت وأُخِذت مِن الإِبِلِ تُجمعُ فتُعقلُ، ثُمّ تُساقُ إلى ولِيِّ الدّمِ.
والأصلُ فِي مشرُوعِيّةِ الدِّيةِ قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ، وسُنّةُ نبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقد روى أبُو بكرِ بنُ مُحمّدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ عن أبِيهِ عن جدِّهِ أنّ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهلِ اليمنِ كِتابًا فِيهِ الفرائِضُ والسُّننُ والدِّياتُ وبعث بِهِ مع عمرِو بنِ حزمٍ فقُرِئت على أهلِ اليمنِ هذِهِ نُسختُها: مِن مُحمّدِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى شُرحبِيل بنِ عبدِ كلّالٍ، ونُعيمِ بنِ عبدِ كلّالٍ، والحارِثِ بنِ عبدِ كلّالٍ قيلُ ذِي رُعينٍ ومعافِر وهمدان أمّا بعدُ، وكان فِي كِتابِهِ: إنّ من اعتبط مُؤمِنًا قتلًا عن بيِّنةٍ فإِنّهُ قودٌ إلّا أن يرضى أولِياءُ المقتُولِ، وأنّ فِي النّفسِ الدِّية مِائةً مِن الإِبِلِ، وفِي الأنفِ إذا أُوعِب جدعُهُ الدِّيةُ، وفِي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفِي الشّفتينِ الدِّيةُ، وفِي البيضتينِ الدِّيةُ، وفِي الذّكرِ الدِّيةُ، وفِي الصُّلبِ الدِّيةُ، وفِي العينينِ الدِّيةُ، وفِي الرِّجلِ الواحِدةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفِي المأمُومةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفِي الجائِفةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفِي المُنقِّلةِ خمس عشرة مِن الإِبِلِ، وفِي كُلِّ أُصبُعٍ مِن أصابِعِ اليدِ والرِّجلِ عشرٌ مِن الإِبِلِ، وفِي السِّنِّ خمسٌ مِن الإِبِلِ، وفِي المُوضِحةِ خمسٌ مِن الإِبِلِ، وأنّ الرّجُل يُقتلُ بِالمرأةِ، وعلى أهلِ الذّهبِ ألفُ دِينارٍ. وفِي رِوايةٍ زِيادةٌ: وفِي اليدِ الواحِدةِ نِصفُ الدِّيةِ. وقد أجمع أهلُ العِلمِ على وُجُوبِ الدِّيةِ فِي الجُملةِ.
والحِكمةُ فِي وُجُوبِها هِي صونُ بُنيانِ الآدمِيِّ عن الهدمِ، ودمِهِ عن الهدرِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/21/ 44)