ولتقابل المعنى في الرهن والهبة لأجل الفارق الدقيق بينهما كان كتاب الشهادات حتى لا يحدث الخلط بينهما، فبعد ذكر أنواع المعاملات بدأ في ذكر ضوابط هذه المعاملات .. وأولها الشهادات.
(1) الصُّلحُ فِي اللُّغةِ: اسمٌ بِمعنى المُصالحةِ والتّصالُحِ، خِلافُ المُخاصمةِ والتّخاصُمِ. قال الرّاغِبُ: والصُّلحُ يختصُّ بِإِزالةِ النِّفارِ بين النّاسِ. يُقالُ: اصطلحُوا وتصالحُوا وعلى ذلِك يُقالُ: وقع بينهُما الصُّلحُ، وصالحهُ على كذا، وتصالحا عليهِ واصطلحا، وهُم لنا صُلحٌ، أي مُصالِحُون.
وفِي الِاصطِلاحِ: مُعاقدةٌ يرتفِعُ بِها النِّزاعُ بين الخُصُومِ، ويُتوصّلُ بِها إلى المُوافقةِ بين المُختلِفِين.
فهُو عقدٌ وُضِع لِرفعِ المُنازعةِ بعد وُقُوعِها بِالتّراضِي، وهذا عِند الحنفِيّةِ.
وزاد المالِكِيّةُ على هذا المدلُولِ: العقدُ على رفعِها قبل وُقُوعِها - أيضًا - وِقايةٌ، فجاء فِي تعرِيفِ ابنِ عرفة لِلصُّلحِ: أنّهُ انتِقالٌ عن حقٍّ أو دعوى بِعِوضٍ لِرفعِ نِزاعٍ، أو خوفِ وُقُوعِهِ ففِي التّعبِيرِ بِـ (خوفِ وُقُوعِهِ) إشارةٌ إلى جوازِ الصُّلحِ لِتوقِّي مُنازعةً غير قائِمةٍ بِالفِعلِ، ولكِنّها مُحتملةُ الوُقُوعِ.
والمُصالِحُ: هُو المُباشِرُ لِعقدِ الصُّلحِ والمُصالحُ عنهُ: هُو الشّيءُ المُتنازعُ فِيهِ إذا قُطِع النِّزاعُ فِيهِ بِالصُّلحِ والمُصالحُ عليهِ، أو المُصالحُ بِهِ: هُو بدلُ الصُّلحِ.
وقد ثبتت مشرُوعِيّةُ الصُّلحِ بِالكِتابِ والسُّنّةِ والإِجماعِ والمعقُولِ:
أمّا الكِتابُ: ففِي قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} . قال القاضِي أبُو الولِيدِ بنُ رُشدٍ: وهذا عامٌّ فِي الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ، وفِي كُلِّ شيءٍ يقعُ التّداعِي والِاختِلافُ فِيهِ بين المُسلِمِين.
وفِي قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} فقد أفادت الآيةُ مشرُوعِيّة الصُّلحِ، حيثُ إنّهُ سُبحانهُ وصف الصُّلح بِأنّهُ خيرٌ، ولا يُوصفُ بِالخيرِيّةِ إلّا ما كان مشرُوعًا مأذُونًا فِيهِ.
وأمّا السُّنّةُ: فما روى أبُو هُريرة - رضي الله عنه - عن النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: الصُّلحُ جائِزٌ بين المُسلِمِين. وفِي رِوايةٍ: إلّا صُلحًا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا. (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) . والحدِيثُ واضِحُ الدّلالةِ على مشرُوعِيّةِ الصُّلحِ.
وما روى كعبُ بنُ مالِكٍ - رضي الله عنه أنّهُ لمّا تنازع مع ابنِ أبِي حدردٍ فِي دينٍ على ابنِ أبِي حدردٍ، أنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أصلح بينهُما: بِأن استوضع مِن دينِ كعبٍ الشّطر، وأمر غرِيمهُ بِأداءِ الشّطرِ (متفق عليه) .
وأمّا الإِجماعُ: فقد أجمع الفُقهاءُ على مشرُوعِيّةِ الصُّلحِ فِي الجُملةِ، وإِن كان بينهُم اختِلافٌ فِي جوازِ بعضِ صُورِهِ.
وأمّا المعقُولُ: فهُو أنّ الصُّلح رافِعٌ لِفسادٍ واقِعٍ، أو مُتوقّعٍ بين المُؤمِنِين، إذ أكثرُ ما يكُونُ الصُّلحُ عِند النِّزاعِ. والنِّزاعُ سببُ الفسادِ، والصُّلحُ يهدِمُهُ ويرفعُهُ، ولِهذا كان مِن أجلِّ المحاسِنِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/27/ 327)