فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 358

ولما كان الطعام والشراب والطب مما يحفظ به الإنسان صحته ولما كانت صحة الإنسان تعلم من ظاهر الإنسان وصورته- فقد أتم الظاهر والصورة بكتاب اللباس إتمامًا لنعمة الصورة من حيث الصحة واللباس والمظهر التام، وكذلك فإن اللباس من أسباب الصحة لقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} الآية [النحل: 81] - ليتم جمع أسباب الصحة من الطب واللباس.

كما أن اللباس جاء بعد الأكل والشرب موافقًا لما جاء في أول كتاب اللباس كما قال - صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة» [1] .

76 -كتاب الأدب[2]

(1) (حسن) حسنه الحافظ ابن حجر في (الأمالي المطلقة/32) .

(2) أصلُ معنى كلِمةِ (أدبٍ) فِي اللُّغةِ: (الجمعُ) ، ومِنهُ: الأدبُ بِمعنى الظّرفِ وحُسنِ التّناوُلِ. سُمِّي أدبًا؛ لِأنّهُ يأدِبُ - أي يجمعُ - النّاس إلى المحامِدِ. ولا يخرُجُ المعنى الِاصطِلاحِيُّ عِند الفُقهاءِ عن المعنى اللُّغوِيِّ، فلِلأدبِ عِند الفُقهاءِ والأُصُولِيِّين عِدّةُ إطلاقاتٍ: أ - قال الكمالُ بنُ الهُمامِ: الأدبُ: الخِصالُ الحمِيدةُ، ولِذلِك بوّبُوا فقالُوا: (أدبُ القاضِي) ، وتكلّمُوا فِي هذا البابِ عمّا ينبغِي لِلقاضِي أن يفعلهُ وما ينبغِي أن ينتهِي عنهُ. وكذلِك قالُوا: (آدابُ الِاستِنجاءِ) ، (وآدابُ الصّلاةِ) . وعرّفهُ بعضُهُم بِقولِهِ: الأدبُ: وضعُ الأشياءِ موضِعها.

بـ- كما يُطلِقُ الفُقهاءُ والأُصُولِيُّون لفظ (أدبٍ) أيضًا أصالةً على المندُوبِ، ويُعبِّرُون عن ذلِك بِتعبِيراتٍ مُتعدِّدةٍ مِنها: النّفلُ، والمُستحبُّ، والتّطوُّعُ، وما فِعلُهُ خيرٌ مِن تركِهِ، وما يُمدحُ بِهِ المُكلّفُ ولا يُذمُّ على تركِهِ، والمطلُوبُ فِعلُهُ شرعًا مِن غيرِ ذمٍّ على تركِهِ، وكُلُّها مُتقارِبةٌ.

ج- وقد يُطلِقُ بعضُ الفُقهاءِ كلِمة (آدابٍ) على كُلِّ ما هُو مطلُوبٌ سواءٌ أكان مندُوبًا أم واجِبًا. ولِذلِك بوّبُوا فقالُوا: (آدابُ الخلاءِ والِاستِنجاءِ) وأتوا فِي هذا البابِ بِما هُو مندُوبٌ وما هُو واجِبٌ، وقالُوا: إنّ المُراد بِكلِمةِ (آدابٍ) هُو كُلُّ ما هُو مطلُوبٌ.

د- ويُطلِقُ الفُقهاءُ أحيانًا (الأدب) على الزّجرِ والتّأدِيبِ بِمعنى التّعزِيرِ.

والأدبُ فِي الجُملةِ هُو مرتبةٌ مِن مراتِبِ الحُكمِ التّكلِيفِيِّ، وهُو غالِبًا يُرادِفُ المندُوب، وفاعِلُهُ يستحِقُّ الثّواب بِفِعلِهِ، ولا يستحِقُّ اللّوم على تركِهِ.

ولقد نثر الفُقهاءُ الآداب على أبوابِ الفِقهِ، فذكرُوا فِي كُلِّ بابٍ ما يخُصُّهُ مِن الآدابِ، ففِي الِاستِنجاءِ ذكرُوا آداب الِاستِنجاءِ، وفِي الطّهارةِ بِأقسامِها ذكرُوا آدابها، وفِي القضاءِ ذكرُوا آداب القضاءِ، بل صنّف بعضُهُم كُتُبًا خاصّةً فِي الآدابِ الشّرعِيّةِ، كالآدابِ الشّرعِيّةِ لِابنِ مُفلِحٍ، وأدبِ الدُّنيا والدِّينِ لِلماوردِيِّ، وغيرِهِما. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/2/ 346)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت