فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 358

86 -كتاب استتابة المرتدين[1]

وهو بخلاف الحدود؛ لأن المرتد يسقط الحكم عنه إذا تاب، بخلاف الحدود التي إن تاب عنها لا تسقط، وقد وردت بعد الديات؛ لأن الارتداد ذنبٌ يتطلب الحد كحق لله، والديات حق للمجتمع يعفو فيه أصحاب الدية فقط لتسقط، أما الاستتابة فهي حق الله.

87 -كتاب الإكراه [2]

(1) الرِّدّةُ لُغةً: الرُّجُوعُ عن الشّيءِ، ومِنهُ الرِّدّةُ عن الإِسلامِ. يُقالُ: ارتدّ عنهُ ارتِدادًا أي تحوّل. والِاسمُ الرِّدّةُ، والرِّدّةُ عن الإِسلامِ: الرُّجُوعُ عنهُ. وارتدّ فُلانٌ عن دِينِهِ إذا كفر بعد إسلامِهِ.

وفِي الِاصطِلاحِ: (الرِّدّةُ: كُفرُ المُسلِمِ بِقولٍ صرِيحٍ أو لفظٍ يقتضِيهِ أو فِعلٍ يتضمّنُهُ) .

ولا تقعُ الرِّدّةُ مِن المُسلِمِ إلّا إذا توفّرت شرائِطُ البُلُوغِ والعقلِ والِاختِيارِ. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/22/ 183)

(2) قال فِي لِسانِ العربِ: أكرهته، حملته على أمرٍ هُو لهُ كارِهٌ - وفِي مُفرداتِ الرّاغِبِ نحوُهُ - ومضى صاحِبُ اللِّسانِ يقُولُ: وذكر اللّهُ عزّ وجلّ الكُره والكره فِي غيرِ موضِعٍ مِن كِتابِهِ العزِيزِ، واختلف القُرّاءُ فِي فتحِ الكافِ وضمِّها.

قال أحمدُ بنُ يحيى: ولا أعلمُ بين الأحرُفِ الّتِي ضمّها هؤُلاءِ وبين الّتِي فتحُوها فرقًا فِي العربِيّةِ، ولا فِي سُنّةٍ تُتبعُ. وفِي المِصباحِ المُنِيرِ: (الكرهُ(بِالفتحِ) : المشقّةُ، وبِالضّمِّ: القهرُ، وقِيل: (بِالفتحِ) : الإِكراهُ،) وبِالضّمِّ (المشقّةُ. وأكرهته على الأمرِ إكراهًا: حملته عليهِ قهرًا. يُقالُ: فعلته كرهًا) بِالفتحِ(أي إكراهًا - وعليهِ قوله تعالى: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} فجمع بين الضِّدّينِ.

ولخصّ ذلِك كُلّهُ فُقهاؤُنا إذ قالُوا: الإِكراهُ لُغةً: حملُ الإِنسانِ على شيءٍ يكرهُهُ، يُقالُ: أكرهت فُلانًا إكراهًا: حملته على أمرٍ يكرهُهُ. والكرهُ) بِالفتحِ (اسمٌ مِنهُ(أي اسمُ مصدرٍ) .

أمّا الإِكراهُ فِي اصطِلاحِ الفُقهاءِ فهُو: فِعلٌ يفعلُهُ المرءُ بِغيرِهِ، فينتفِي بِهِ رِضاهُ، أو يفسُدُ بِهِ اختِيارُهُ. وعرّفهُ البزدوِيُّ بِأنّهُ: حملُ الغيرِ على أمرٍ يمتنِعُ عنهُ بِتخوِيفٍ يقدِرُ الحامِلُ على إيقاعِهِ ويصِيرُ الغيرُ خائِفًا بِهِ. أو هُو: فِعلٌ يُوجدُ مِن المُكرِهِ (بِكسرِ الرّاءِ) فيُحدِثُ فِي المحلِّ (أي المُكرهِ بِفتحِ الرّاءِ) معنًى يصِيرُ بِهِ مدفُوعًا إلى الفِعلِ الّذِي طُلِب مِنهُ. والمعنى المذكُورُ فِي هذا التّعرِيفِ، فسّرُوهُ بِالخوفِ، ولو مِمّا يفعلُهُ الحُكّامُ الظّلمةُ بِالمُتّهمِين كيدًا. فإِذا كان الدّافِعُ هُو الحياءُ مثلًا، أو التّودُّدُ، فليس بِإِكراهٍ.

والفِعلُ - فِي جانِبِ المُكرِهِ (بِكسرِ الرّاءِ) ليس على ما يتبادرُ مِنهُ مِن خِلافِ القولِ، ولو إشارة الأخرسِ، أو مُجرّد الكِتابةِ، بل هُو أعمُّ، فيشملُ التّهدِيد - لِأنّهُ مِن عملِ اللِّسانِ - ولو مفهُومًا بِدلالةِ الحالِ مِن مُجرّدِ الأمرِ: كأمرِ السُّلطانِ أو الأمِيرِ، وأمرِ قاطِعِ الطّرِيقِ، وأمرِ الخانِقِ الّذِي يبدُو مِنهُ الإِصرارُ. والحنفِيّةُ يقُولُون: أمرُ السُّلطانِ، إكراهٌ - وإِن لم يتوعّد - وأمرُ غيرِهِ ليس بِإِكراهٍ، إلّا أن يعلم تضمُّنهُ التّهدِيد بِدلالةِ الحالِ. وغيرُ الحنفِيّةِ يُسوُّون بين ذوِي البطشِ والسّطوةِ أيًّا كانُوا، وصاحِبُ المبسُوطِ نفسُهُ مِن الحنفِيّةِ يقُولُ: إنّ مِن عادةِ المُتجبِّرِين التّرفُّع عن التّهدِيدِ بِالقتلِ، ولكِنّهُم لا يُعاقِبُون مُخالِفِيهِم إلّا بِهِ.

ثُمّ المُرادُ بِالفِعلِ المذكُورِ - فِعلٌ واقِعٌ على المُكرهِ (بِالفتحِ) نفسِهِ - ولو كان تهدِيدًا بِأخذِ أو حبسِ مالِهِ الّذِي لهُ وقعٌ، لا التّافِهِ الّذِي لا يُعتدُّ بِهِ، أو تهدِيدًا بِالفُجُورِ بِامرأتِهِ إن لم يُطلِّقها. ويستوِي التّهدِيدُ المُقترِنُ بِالفِعلِ المُهدّدِ بِهِ - كما فِي حدِيثِ: أخذ عمّار بن ياسِرٍ، وغطّهُ فِي الماءِ لِيرتدّ. والتّهدِيدُ المُجرّدُ، خِلافًا لِمن لم يعتدّ بِمُجرّدِ التّهدِيدِ، كأبِي إسحاق المروزِيِّ مِن الشّافِعِيّةِ، واعتمد. الخِرقِيُّ مِن الحنابِلةِ، تمسُّكًا بِحدِيثِ عمّارٍ هذا، واستدلّ الآخرُون بِالقِياسِ حيثُ لا فرق، وإِلّا توصّل المُعتدُون إلى أغراضِهِم - بِالتّهدِيدِ المُجرّدِ - دُون تحمُّلِ تبعةٍ، أو هلك الواقِعُ عليهِم هذا التّهدِيدُ إذا رفضُوا الِانصِياع لهُ، فكان القاء بِالأيدِي فِي التّهلُكةِ، وكِلاهُما محذُورٌ لا يأتِي الشّرعُ بِمِثلِهِ. بل فِي الأثرِ عن عُمر - وفِيهِ انقِطاعٌ - ما يُفِيدُ هذا التّعمِيم: ذلِك أنّ رجُلًا فِي عهدِهِ تدلّى يشتارُ (يستخرِجُ) عسلًا، فوقفت امرأتُهُ على الحبلِ، وقالت: طلِّقنِي ثلاثًا، وإِلّا قطعته، فذكّرها اللّه والإِسلام، فقالت: لتفعلن، أو لأفعلن، فطلّقها ثلاثًا. ورُفِعت القِصّةُ إلى عُمر، فرأى طلاق الرّجُلِ لغوًا، وردّ عليهِ المرأة، ولِذا اعتمد ابنُ قُدامة عدم الفرقِ. ويتفرّعُ على هذا التّفسِيرِ أنّهُ لو وقع التّهدِيدُ بِقتلِ رجُلٍ لا يمُتُّ إلى المُهدّدِ بِسببٍ، إن هُو لم يدُلّ على مكانِ شخصٍ بِعينِهِ يُرادُ لِلقتلِ، فإِنّ هذا لا يكُونُ إكراهًا، حتّى لو أنّهُ وقعت الدّلالةُ مِمّن طُلِبت مِنهُ، ثُمّ قتل الشّخص المذكُور، لكان الدّالُّ مُعِينًا على هذا القتلِ عن طواعِيةٍ إن علِم أنّهُ المقصُودُ - والمُعيِّنُ شرِيكٌ لِلقاتِلِ عِند أكثرِ أهلِ العِلمِ، بِشرائِط خاصّةٍ - وذهب أبُو الخطّابِ الحنبلِيُّ إلى أنّ التّهدِيد فِي أجنبِيٍّ إكراهٌ فِي الأيمانِ، واستظهرهُ ابنُ رجبٍ.

والفِعلُ، فِي جانِبِ المُكرهِ (بِفتحِ الرّاءِ) ، هُو أيضًا أعمُّ مِن فِعلِ اللِّسانِ وغيرِهِ، إلّا أنّ أفعال القُلُوبِ لا تقبلُ الإِكراه، فيشملُ القول بِلا شكٍّ. وفِيما يُسمِّيهِ فُقهاؤُنا بِالمُصادرةِ فِي أبوابِ البُيُوعِ وما إليها، الفِعلُ الّذِي يُطلبُ مِن المُكرهِ (بِالفتحِ) دفعُ المالِ وغرامتُهُ، لا سببُ الحُصُولِ عليهِ مِن بيعٍ أو غيرِهِ - كاستِقراضٍ - فيصِحُّ السّببُ ويلزمُ وإِن علِم أنّهُ لا مخلص لهُ إلّا بِسببٍ مُعيّنٍ، إلّا أنّ المُكرِه (بِالكسرِ) لم يُعيِّنهُ لهُ فِي إكراهِهِ إيّاهُ. ولِذا قالُوا: إنّ الحِيلة فِي جعلِ السّببِ مُكرهًا عليهِ، أن يقُول: المُكرهُ (بِالفتحِ) : مِن أين أتى بِالمالِ؟ فإِذا عيّن لهُ المُكرِهُ (بِالكسرِ) سببًا، كأن قال لهُ: بِع كذا، أو عِند ابنِ نُجيمٍ اقتصر على الأمرِ بِالبيعِ دُون تعيِينِ المبِيعِ، وقع هذا السّببُ المُعيّنُ تحت طائِلةِ الإِكراهِ. ولم يُخالِف فِي هذا إلّا المالِكِيّةُ - بِاستِثناءِ ابنِ كِنانة ومُتابِعِيهِ - إذ جعلُوا السّبب أيضًا مُكرهًا عليهِ بِإِطلاقٍ. ويشملُ التّهدِيد بِإِيذاءِ الغيرِ، مِمّن يُحِبُّهُ من وقع عليهِ التّهدِيدُ - على الشّرطِ المُعتبرِ فِيما يحصُلُ بِهِ الإِكراهُ مِن أسبابِهِ المُتعدِّدةِ - بِشرِيطةِ أن يكُون ذلِك المحبُوبُ رحِمًا محرمًا، أو - كما زاد بعضُهُم - زوجةً. والمالِكِيّةُ، وبعضُ الحنابِلةِ يُقيِّدُونهُ بِأن يكُون ولدًا وإِن نزل، أو والِدًا وإِن علا. والشّافِعِيّةُ - وخرّجهُ صاحِبُ القواعِدِ الأُصُولِيّةِ مِن الحنابِلةِ - لا يُقيِّدُونهُ إلّا بِكونِهِ مِمّن يشُقُّ على المُكرهِ (بِالفتحِ) إيذاؤُهُ مشقّةً شدِيدةً كالزّوجةِ، والصّدِيقِ، والخادِمِ. ومال إليهِ بعضُ الحنابِلةِ. حتّى لقد اعتمد بعضُ الشّافِعِيّةِ أنّ مِن الإِكراهِ ما لو قال الوالِدُ لِولدِهِ، أو الولدُ لِوالِدِهِ (دُون غيرِهِما) : طلِّق زوجتك، وإِلّا قتلت نفسِي، بِخِلافِ ما لو قال: وإِلّا كفرت، لِأنّهُ يكفُرُ فِي الحالِ. وفِي التّقيِيدِ بِالولدِ أو الوالِدِ نظرٌ لا يخفى. كما أنّهُ يصدُقُ على نحوِ الإِلقاءِ مِن شاهِقٍ أي: الإِلجاءِ بِمعناهُ الحقِيقِيِّ المُنافِي لِلقُدرةِ المُمكِنةِ مِن الفِعلِ والتّركِ. والمالِكِيّةُ - وجاراهُم ابنُ تيمِيّة - اكتفُوا بِظنِّ الضّررِ مِن جانِبِ المُكرهِ (بِالفتحِ) إن لم يفعل، وعِبارتُهُم: يكُونُ (أي الإِكراهُ) بِخوفِ مُؤلِمٍ.

والإِكراهُ بِغيرِ حقٍّ ليس مُحرّمًا فحسبُ، بل هُو إحدى الكبائِرِ، لِأنّهُ أيضًا يُنبِئُ بِقِلّةِ الِاكتِراثِ بِالدّينِ، ولِأنّهُ مِن الظُّلمِ. وقد جاء فِي الحدِيثِ القُدسِيِّ: يا عِبادِي إنِّي حرّمت الظُّلم على نفسِي وجعلته بينكُم مُحرّمًا فلا تظالمُوا ... (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/6/ 102)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت