لما ذكر العتق بالنسبة للعبد ذكر الهبة؛ لأنهما يتفقان في إسقاط حق الملكية بلا مقابل ..
فالرهن قريب من المكاتبة؛ لأن المكاتب مرهون بكتابته، والعتق قريب من الهبة لأنه ينفصل عن صاحبه ويكون حرًّا، كما تنفصل الهبة عن صاحبها وتكون للموهوبة له .. ومن هنا كانت المناسبة بين الرهن والعتق والمكاتبة والهبة.
(1) مِن معانِي الشّهادةِ فِي اللُّغةِ:
الخبرُ القاطِعُ، والحُضُورُ والمُعاينةُ والعلانِيةُ، والقسمُ، والإِقرارُ، وكلِمةُ التّوحِيدِ، والموتُ فِي سبِيلِ اللّهِ. يُقالُ: شهِد بِكذا إذا أخبر بِهِ وشهِد كذا إذا حضرهُ، أو عاينهُ إلى غيرِ ذلِك. وقد يُعدّى الفِعلُ (شهِد) بِالهمزةِ، فيُقالُ: أشهدته الشّيء إشهادًا، أو بِالألِفِ، فقال: شاهدته مُشاهدةً، مِثلُ عاينته وزنًا ومعنًى.
ومِن الشّهادةِ بِمعنى الحُضُورِ: قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} . قال القُرطُبِيُّ فِي تفسِيرِ هذِهِ الآيةِ: (وشهِد بِمعنى حضر) .
ومِن الشّهادةِ بِمعنى المُعاينةِ: قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} . قال الرّاغِبُ الأصفهانِيُّ فِي شرحِ معناها: (وقولُهُ: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} ، يعنِي مُشاهدة البصرِ) .
ومِن الشّهادةِ بِمعنى القسمِ أو اليمِينِ: قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} . قال ابنُ منظُورٍ: (الشّهادةُ معناها اليمِينُ هاهُنا) .
ومِن الشّهادةِ بِمعنى الخبرِ القاطِعِ: قوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} . واستِعمالُها بِهذا المعنى كثِيرٌ.
ومِن الشّهادةِ بِمعنى الإِقرارِ: قوله تعالى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} أي مُقِرِّين فإِنّ الشّهادة على النّفسِ هِي الإِقرارُ.
وتُطلقُ الشّهادةُ أيضًا على كلِمةِ التّوحِيدِ. (وهِي قولُنا: لا إله إلّا اللّهُ) وتُسمّى العِبارةُ (أشهدُ أن لا إله إلّا اللّهُ وأشهدُ أنّ مُحمّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ) بِالشّهادتينِ. ومعناهُما هُنا مُتفرِّعٌ عن مجمُوعِ المعنيينِ (الإِخبارُ والإِقرارُ) ، فإِن معنى الشّهادةِ هُنا هُو الإِعلامُ والبيانُ لِأمرٍ قد عُلِم والإِقرارُ الِاعتِرافُ بِهِ، وقد نصّ ابنُ الأنبارِيِّ على أنّ المعنى هُو: (أعلمُ أن لا إله إلّا اللّهُ. وأُبيِّنُ أن لا إله إلّا اللّهُ، وأعلمُ وأُبيِّنُ أنّ مُحمّدًا مُبلِّغٌ لِلأخبارِ عن اللّهِ عزّ وجلّ) وسُمِّي النُّطقُ بِالشّهادتينِ بِالتّشهُّدِ، وهُو صِيغةُ (تفعّل) مِن الشّهادةِ.
وقد يُطلقُ (التّشهُّدُ) على (التّحِيّاتِ) الّتِي تُقرأُ فِي آخِرِ الصّلاةِ. جاء فِي حدِيثِ ابنِ مسعُودٍ: أنّ النّبِيّ. - صلى الله عليه وسلم - كان يُعلِّمُهُم التّشهُّد كما يُعلِّمُهُم القُرآن. ومِن الشّهادةِ بِمعنى العلانِيةِ: قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أخرج ابنُ أبِي حاتِمٍ عن ابنِ عبّاسٍ أنّهُ قال فِي معنى هذِهِ الآيةِ: (السِّرُّ والعلانِيةُ) .
ومِن الشّهادةِ بِمعنى الموتِ فِي سبِيلِ اللّهِ: قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} . فهُو شهِيدٌ قد رزقهُ اللّهُ الشّهادة، جمعُهُ شُهداءُ.
وفِي الِاصطِلاحِ الفِقهِيِّ: استعمل الفُقهاءُ لفظ الشّهادةِ فِي الإِخبارِ بِحقٍّ لِلغيرِ على النّفسِ. كما استعمل الفُقهاءُ لفظ الشّهادةِ فِي الإِخبارِ بِحقٍّ لِلغيرِ على الغيرِ فِي مجلِسِ القضاءِ، وهُو موضُوعُ البحثِ فِي هذا المُصطلحِ. واختلفُوا فِي تعرِيفِ الشّهادةِ بِهذا المعنى.
فعرّفها الكمالُ مِن الحنفِيّةِ بِأنّها: إخبارُ صِدقٍ لِإِثباتِ حقٍّ بِلفظِ الشّهادةِ فِي مجلِسِ القضاءِ.
وعرّفها الدّردِيرُ مِن المالِكِيّةِ: بِأنّها إخبارُ حاكِمٍ مِن عِلمٍ لِيقضِي بِمُقتضاهُ.
وعرّفها الجملُ مِن الشّافِعِيّةِ بِأنّها: إخبارٌ بِحقٍّ لِلغيرِ على الغيرِ بِلفظِ أشهدُ.
وعرّفها الشّيبانِيُّ مِن الحنابِلةِ بِأنّها: الإِخبارُ بِما علِمهُ بِلفظِ أشهدُ أو شهِدت.
وتسمِيتُها بِالشّهادةِ إشارةٌ إلى أنّها مأخُوذةٌ مِن المُشاهدةِ المُتيقّنةِ، لِأنّ الشّاهِد يُخبِرُ عن ما شاهدهُ، وتُسمّى (بيِّنةً) أيضًا؛ لِأنّها تُبيِّنُ ما التبس وتكشِفُ الحقّ فِي ما اُختُلِف فِيهِ. وهِي إحدى الحُججِ الّتِي تثبُتُ بِها الدّعوى.
وقال ابنُ القيِّمِ: البيِّنةُ فِي الشّرعِ: اسمٌ لِما يُبيِّنُ الحقّ ويُظهِرُهُ. وهِي تارةً تكُونُ أربعة شُهُودٍ، وتارةً ثلاثةً بِالنّصِّ فِي بيِّنةِ المُفلِّسِ، وتارةً شاهِدينِ وشاهِدًا واحِدًا وامرأةً واحِدةً ونُكُولًا ويمِينًا أو خمسِين يمِينًا أو أربعة أيمانٍ، وتكُونُ شاهِد الحالِ (أي القرائِن) فِي صُورٍ كثِيرةٍ. وبِذلِك تكُونُ البيِّنةُ على هذا أعمّ مِن الشّهادةِ.
وتحمُّلُ الشّهادةِ وأداؤُها فرضٌ على الكِفايةِ، لقوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} وقولُهُ: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . ولِأنّ الشّهادة أمانةٌ فلزِم أداؤُها كسائِرِ الأماناتِ. فإِذا قام بِها العددُ الكافِي سقط الإِثمُ عن الجماعةِ، وإِن امتنع الجمِيعُ أثِمُوا كُلُّهُم. وإِنّما يأثمُ المُمتنِعُ إذا لم يتضرّر بِالشّهادةِ، وكانت شهادتُهُ تنفعُ. فإِذا تضرّر فِي التّحمُّلِ أو الأداءِ، أو كانت شهادتُهُ لا تنفعُ، بِأن كان مِمّن لا تُقبلُ شهادتُهُ، أو كان يحتاجُ إلى التّبذُّلِ فِي التّزكِيةِ ونحوِها، لم يلزمهُ ذلِك، لقوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضِرار. وإِن كان مِمّن لا تُقبلُ شهادتُهُ لم يجِب عليهِ؛ لِأنّ مقصُود الشّهادةِ لا يحصُلُ مِنهُ.
وقد يكُونُ تحمُّلُها وأداؤُها أو أحدُهُما فرضًا عينِيًّا إذا لم يكُن هُناك غيرُ ذلِك العددِ مِن الشُّهُودِ الّذِي يحصُلُ بِهِ الحُكمُ، وخِيف ضياعُ الحقِّ. وهذا الحُكمُ هُو فِي الشّهادةِ على حُقُوقِ العِبادِ.
وثبتت مشرُوعِيّةُ الشّهادةِ بِالكِتابِ والسُّنّةِ والإِجماعِ والمعقُولِ:
أمّا الكِتابُ. فقولُهُ تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} . وقولُهُ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} . وقولُهُ: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} .
وأمّا السُّنّةُ: فأحادِيثُ كثِيرةٌ مِنها حدِيثُ وائِلِ بنِ حُجرٍ - رضي الله تعالى عنه - أنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهُ: شاهِداك أو يمِينُهُ. (متفق عليه) .
وقد انعقد الإِجماعُ على مشرُوعِيّتِها لِإِثباتِ الدّعاوى.
أمّا المعقُولُ: فلِأنّ الحاجة داعِيةٌ إليها لِحُصُولِ التّجاحُدِ بين النّاسِ، فوجب الرُّجُوعُ إليها. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/26/ 219) .