والشهادة وبين الفتن وذلك في سورة التغابن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [التغابن: 14 - 18] .
ففي الآيات جاءت العناصر الأساسية للفتنة: الأزواج والأولاد والمال، ثم جاء ذكر الغيب والشهادة، وهما الحقيقتان اللتان تجمعهما الرؤى؛ حيث إن الرؤية تحول من حال الغيب المطلق إلى أول درجات الشهادة.
وبناء على معنى العلاقة بين الرؤية باعتبارها انتقال من الغيب إلى الشهادة والفتنة- كان قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وأسألك النظر إلى وجهك الكريم بغير ضراء مُضرة ولا فتنة مُضلة» فإن رؤية وجه الله الكريم هي كمال الشهادة، وهذا الكمال الذي يكون بغير فتنة- بغير ضراء مُضرة ولا فتنة مُضلة [1] .
(1) أخرجه أحمد في (المسند/) والنسائي.
(2) الحُكمُ لُغةً: القضاءُ. وأصلُ معناهُ: المنعُ، يُقالُ: حكمت عليهِ بِكذا إذا منعته مِن خِلافِهِ فلم يقدِر على الخُرُوجِ مِن ذلِك، ويُقالُ حُكمُ اللّهِ أي قضاؤُهُ بِأمرٍ والمنعُ مِن مُخالفتِهِ.
ولِتعرِيفِ الحُكمِ اصطِلاحًا يُقيّدُ بِالشّرعِيِّ، تفرِيقًا لهُ عن العقلِيِّ والعادِيِّ وغيرِهِما، فالحُكمُ الشّرعِيُّ عِند جُمهُورِ الأُصُولِيِّين هُو: خِطابُ الشّارِعِ المُتعلِّقُ بِأفعالِ المُكلّفِين اقتِضاءً أو تخيِيرًا أو وضعًا.
أمّا عِند الفُقهاءِ فهُو: أثرُ خِطابِ اللّهِ المُتعلِّقِ بِأفعالِ المُكلّفِين اقتِضاءً أو تخيِيرًا أو وضعًا، فالحُكمُ عِندهُم هُو الأثرُ أي الوُجُوبُ ونحوُهُ، وليس الخِطاب نفسهُ. وينقسِمُ الحُكمُ هُنا إلى التّكلِيفِيِّ والوضعِيِّ، وبعضُهُم زاد التّخيِيرِيّ، ويدُلُّ تعرِيفُ الحُكمِ على هذِهِ الأنواعِ.
فالمُرادُ بِالِاقتِضاءِ فِي تعرِيفِ الحُكمِ هُو الطّلبُ، ويُسمّى هذا النّوعُ مِن أنواعِ الحُكمِ: الحُكمُ التّكلِيفِيُّ لِما فِيهِ مِن الزامِ كُلفةٍ. ويتناولُ كُلًّا مِن طلبِ الفِعلِ جازِمًا، وهُو الوُجُوبُ، أو غير جازِمٍ، وهُو النّدبُ، كما يتناولُ طلب التّركِ جازِمًا، وهُو التّحرِيمُ، أو غير جازِمٍ، وهُو الكراهةُ.
والمُرادُ بِالتّخيِيرِ - فِي التّعرِيفِ - الإِباحةُ، وهِي أن لا يكُون الشّيءُ مطلُوب الفِعلِ أو التّركِ.
وبِأحكامِ الِاقتِضاءِ والتّخيِيرِ تُستكملُ أقسامُ الأحكامِ التّكلِيفِيّةِ الخمسةِ أو السّبعةِ، وقصرها بعضُ الأُصُولِيِّين - كالآمِدِيِّ - على ما يتعلّقُ بِطرِيقِ الِاقتِضاءِ، وأفرد الإِباحة بِاسمِ (الحُكمُ التّخيِيرِيُّ) فِي حِينِ أنّ بعض الأُصُولِيِّين يُخرِجُون المندُوب مِن الحُكمِ التّكلِيفِيِّ لِأنّهُ ليس فِيهِ الزامٌ بِمشقّةٍ، قال الآمِدِيُّ: وهُو أولى مِن المُباحِ بِالخُرُوجِ مِن الحُكمِ التّكلِيفِيِّ.
والمُرادُ بِالوضعِ - فِي تعرِيفِ الحُكمِ - خِطابُ اللّهِ تعالى المُتعلِّقُ بِجعلِ الشّيءِ سببًا، أو شرطًا، أو مانِعًا، أو صحِيحًا، أو فاسِدًا (أو باطِلًا على ما ذهب إليهِ الحنفِيّةُ مِن التّفرِقةِ بين الفاسِدِ والباطِلِ) . (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/18/ 65)