الأعمال على أصل الجواز، والقاعدة العامة في مجموعة المعاملات هو الإقران بين كل نوعين من التعامل يتفقان في جانب ويختلفان في آخر ..
وهذا أفضل أسلوب لإظهار الفوارق .. تمامًا مثل أن تقرب بين لونين لتظهر الفرق بينهما ..
مثل الإقران بين البيع والإجارة [1] .
ومثل الإقران بين الرهن [2] والعتق [3] .
(1) الإِجارةُ فِي اللُّغةِ: اسمٌ لِلأُجرةِ، وهِي كِراءُ الأجِيرِ وهِي بِكسرِ الهمزةِ، وهُو المشهُورُ. وحُكِي الضّمُّ بِمعنى المأخُوذِ وهُو عِوضُ العملِ، ونقل الفتحُ أيضًا، فهِي مُثلّثةٌ، لكِن نُقِل عن المُبرِّدِ أنّهُ يُقالُ: أجّر وآجر إجارًا وإِجارةً. وعليهِ فتكُونُ مصدرًا وهذا المعنى هُو المُناسِبُ لِلمعنى الِاصطِلاحِيِّ.
وعرّفها الفُقهاءُ: بِأنّها عقدُ مُعاوضةٍ على تملِيكِ منفعةٍ بِعِوضٍ.
وعقدُ الإِجارةِ الأصلُ فِيهِ أنّهُ مشرُوعٌ على سبِيلِ الجوازِ. والدّلِيلُ على ذلِك الكِتابُ والسُّنّةُ والإِجماعُ والمعقُولُ:
أمّا الكِتابُ فمِنهُ قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} .
ومِن السُّنّةِ قولُهُ: ثلاثةٌ أنا خصمُهُم يوم القِيامةِ وعدّ مِنهُم رجُلًا استأجر أجِيرًا فاستوفى مِنهُ ولم يُعطِهِ أجرهُ. رواه البخاري. وكذلِك فِعلُهُ عليه الصلاة والسلام وتقرِيرُهُ.
وأمّا الإِجماعُ فإِنّ الأُمّة أجمعت على العملِ بِها مُنذُ عصرِ الصّحابةِ وإِلى الآن.
وأمّا دلِيلُها مِن المعقُولِ فلِأنّ الإِجارة وسِيلةٌ لِلتّيسِيرِ على النّاسِ فِي الحُصُولِ على ما يبتغُونهُ مِن المنافِعِ الّتِي لا مِلك لهُم فِي أعيانِها، فالحاجةُ إلى المنافِعِ كالحاجةِ إلى الأعيانِ، فالفقِيرُ مُحتاجٌ إلى مالِ الغنِيِّ، والغنِيُّ مُحتاجٌ إلى عملِ الفقِيرِ. ومُراعاةُ حاجةِ النّاسِ أصلٌ فِي شرعِ العُقُودِ. فيُشرعُ على وجهٍ ترتفِعُ بِهِ الحاجةُ، ويكُونُ مُوافِقًا لِأصلِ الشّرعِ. وهذِهِ هِي حِكمةُ تشرِيعِها. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/1/ 253)
(2) الرّهنُ فِي اللُّغةِ: الثُّبُوتُ والدّوامُ، يُقالُ: ماءٌ راهِنٌ أي: راكِدٌ ودائِمٌ، ونِعمةٌ راهِنةٌ أي: ثابِتةٌ دائِمةٌ. ويأتِي بِمعنى الحبسِ. ومِن هذا المعنى: قوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} .
وشرعًا: جعلُ عينٍ مالِيّةٍ وثِيقةً بِدينٍ يُستوفى مِنها أو مِن ثمنِها إذا تعذّر الوفاءُ.
والأصلُ فِي مشرُوعِيّةِ الرّهنِ قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ، والمعنى: فارهنُوا، واقبِضُوا، كقولِهِ تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} . وخبرُ أنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم: اشترى طعامًا مِن يهُودِيٍّ إلى أجلٍ ورهنهُ دِرعًا مِن حدِيدٍ. (متفق عليه) .
وقد أجمعت الأُمّةُ على مشرُوعِيّةِ الرّهنِ، وتعاملت بِهِ مِن لدُن عهدِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى يومِنا هذا، ولم يُنكِرهُ أحدٌ.
والرّهنُ جائِزٌ وليس واجِبًا. وقال صاحِبُ المُغنِي: لا نعلمُ خِلافًا فِي ذلِك، لِأنّهُ وثِيقةٌ بِدينٍ، فلم يجِب كالضّمانِ، والكفالةِ. والأمرُ الوارِدُ بِهِ أمرُ إرشادٍ، لا أمرُ إيجابٍ، بِدلِيلِ قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ولِأنّهُ أمرٌ بعد تعذُّرِ الكِتابةِ، والكِتابةُ غيرُ واجِبةٍ، فكذلِك بدلُها.
والرّهنُ فِي الحضرِ جائِزٌ جوازُهُ فِي السّفرِ، ونقل صاحِبُ المُغنِي عن ابنِ المُنذِرِ أنّهُ قال: لا نعلمُ أحدًا خالف ذلِك إلّا مُجاهِدًا، وقال القُرطُبِيُّ: وخالف فِيهِ الضّحّاكُ أيضًا. واستدلُّوا بِخبرِ: أنّ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم: تُوُفِّي ودِرعُهُ مرهُونةٌ عِند يهُودِيٍّ بِثلاثِين صاعًا مِن شعِيرٍ. (ولِأنّها وثِيقةٌ تجُوزُ فِي السّفرِ، فجازت فِي الحضرِ كالضّمانِ، وقد تترتّبُ الأعذارُ فِي الحضرِ أيضًا فيُقاسُ على السّفرِ. والتّقيِيدُ بِالسّفرِ فِي الآيةِ خرج مخرج الغالِبِ فلا مفهُوم لهُ، لِدلالةِ الأحادِيثِ على مشرُوعِيّتِهِ فِي الحضرِ، وأيضًا السّفرُ مظِنّةُ فقدِ الكاتِبِ، فلا يُحتاجُ إلى الرّهنِ غالِبًا إلّا فِيهِ.(وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/23/ 176)
(3) العِتقُ لُغةً: خِلافُ الرِّقِّ - وهُو الحُرِّيّةُ، وعتق العبدُ يعتِقُ عِتقًا وعتقًا، وأعتقته فهُو عتِيقٌ، ولا يُقالُ: عتق السّيِّدُ عبدهُ، بل أعتق. ومِن معانِيهِ: الخُلُوصُ. وسُمِّي البيتُ الحرامُ - البيت العتِيق، لِخُلُوصِهِ مِن أيدِي الجبابِرةِ فلم يملِكهُ جبّارٌ.
واصطِلاحًا: هُو تحرِيرُ الرّقبةِ وتخلِيصُها مِن الرِّقِّ.
وشُرِع العِتقُ بِالكِتابِ والسُّنّةِ والإِجماعِ:
أمّا الكِتابُ فقولُ اللّهِ تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وقولُهُ جلّ شأنُهُ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وقولُهُ {فَكُّ رَقَبَةٍ} .
وأمّا السُّنّةُ - فقد ورد عن أبِي هُريرة رضي الله عنه عن النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّهُ قال: من أعتق رقبةً مُسلِمةً أعتق اللّهُ بِكُلِّ عُضوٍ مِنهُ عُضوًا مِن النّارِ، حتّى فرجهُ بِفرجِها. (متفق عليه) وقد أعتق النّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الكثِير مِن الرِّقابِ، وأعتق أبُو بكرٍ وعُمرُ الكثِير مِن الرِّقابِ.
وقد أجمعت الأُمّةُ على صِحّةِ العِتقِ وحُصُولِ القُربةِ بِهِ.
والحِكمةُ من مشرُوعِيّةِ العِتقِ: أن العِتقُ مِن أفضلِ القُربِ إلى اللّهِ تعالى، فقد جعلهُ كفّارةً لِجِناياتٍ كثِيرةٍ مِنها: القتلُ، والظِّهارُ، والوطءُ فِي شهرِ الصِّيامِ، والحِنثُ فِي الأيمانِ، وجعلهُ الرّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - فِكاكًا لِمُعتِقِهِ مِن النّارِ - لِأنّ فِيهِ تخلِيصًا لِلآدمِيِّ المعصُومِ مِن ضررِ الرِّقِّ ومِلكِ نفسِهِ ومنافِعِهِ وتكمِيلِ أحكامِهِ وتمكُّنِهِ مِن التّصرُّفِ فِي نفسِهِ على حسبِ إرادتِهِ واختِيارِهِ.
وحُكمُ العِتقِ: الِاستِحبابُ، وهُو الإِعتاقُ لِوجهِ اللّهِ تعالى مِن غيرِ إيجابٍ. وقد يكُونُ مكرُوهًا إذا كان العبدُ يتضرّرُ بِالعِتقِ، كمن لا كسب لهُ فتسقُطُ نفقتُهُ عن سيِّدِهِ، أو يصِيرُ كلًّا على النّاسِ ويحتاجُ إلى المسألةِ، أو يخافُ المُعتِقُ على العبدِ الخُرُوج إلى دارِ الحربِ، أو يخافُ عليهِ أن يسرِق، أو تكُونُ جارِيةً فيخافُ مِنها الزِّنا والفساد. وقد يكُونُ حرامًا، إذا غلب على الظّنِّ الخُرُوجُ إلى دارِ الحربِ أو الرُّجُوعُ عن الإِسلامِ، أو الزِّنا مِن الجارِيةِ - لِأنّ ما يُؤدِّي إلى الحرامِ حرامٌ، ولكِن إذا أعتقهُ صحّ - لِأنّهُ إعتاقٌ صادِرٌ مِن أهلِهِ فِي محلِّهِ. وقد يكُونُ واجِبًا بِالنّذرِ وفِي الكفّاراتِ والنُّذُورِ، سواءٌ أكان مُعيّنًا أم لا؛ لِأنّ النّذر كغيرِهِ مِن أنواعِ البِرِّ لا يُقضى بِهِ على النّاذِرِ، بل يجِبُ عليهِ تنفِيذُهُ مِن نفسِهِ مِن غيرِ قضاءٍ، إلّا إذا كان العِتقُ ناجِزًا وتعيّن مُتعلِّقُهُ، كعبدِي هذا، أو عبدِي فُلانٌ حُرٌّ. فيُقضى عليهِ بِتنجِيزِ العِتقِ إن امتنع. (وللمزيد راجع الموسوعة الفقهية/29/ 265)