ثم يواصل البخاري المناسبة بين الأبواب، فيذكر جزاء الصيد بعد الإحصار [1] لأن كليهما يجب عليه الفدية [2] والدية [3] فلذلك جاء هذا الترتيب.
(1) الإحصار من حصره إذا منعه فالإحصار بمعنى المنع أي: أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك.
انظر: (الشرح الممتع) (7/ 265)
(2) الفدية: هي ما يعطى فداءً لشيء، ومنه فديةُ الأسير في الحرب حيث يُعطينا شيئًا ثم نفكه، وسميت فدية لقوله تعالى (ففِديةٌ مِن صِيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ) (البقرة: من الآية 196) .
انظر: (الشرح الممتع) (7/ 111) .
(3) هِي فِي اللُّغةِ مصدرُ ودى القاتِلُ القتِيل يدِيهِ دِيةً إذا أعطى ولِيّهُ المال الّذِي هُو بدلُ النّفسِ، وأصلُها ودِيةٌ، فهِي محذُوفةُ الفاءِ كعِدةٍ مِن الوعدِ وزِنةٍ مِن الوزنِ.
وكذلِك هِبةٌ مِن الوهبِ، والهاءُ فِي الأصلِ بدلٌ مِن فاءِ الكلِمةِ الّتِي هِي الواوُ، ثُمّ سُمِّي ذلِك المالُ (دِيةً) تسمِيةً بِالمصدرِ.
وفِي الِاصطِلاحِ عرّفها بعضُ الحنفِيّةِ بِأنّها اسمٌ لِلمالِ الّذِي هُو بدلُ النّفسِ.
ومِثلُهُ ما ذُكِر فِي كُتُبِ المالِكِيّةِ؛ حيثُ قالُوا فِي تعرِيفِها: هِي مالٌ يجِبُ بِقتلِ آدمِيٍّ حُرٍّ عِوضًا عن دمِهِ.
لكِن قال فِي تكمِلةِ الفتحِ: الأظهرُ فِي تفسِيرِ الدِّيةِ ما ذكرهُ صاحِبُ الغايةِ آخِرًا مِن أنّ الدِّية: اسمٌ لِضمانٍ (مُقدّرٍ) يجِبُ بِمُقابلةِ الآدمِيِّ أو طرفٍ مِنهُ، سُمِّي بِذلِك؛ لِأنّها تُؤدّى عادةً وقلّما يجرِي فِيها العفوُ؛ لِعِظمِ حُرمةِ الآدمِيِّ.
وهذا ما يُؤيِّدُهُ العدوِيُّ مِن فُقهاءِ المالِكِيّةِ حيثُ قال بعد تعرِيفِ الدِّيةِ: إنّ ما وجب فِي قطعِ اليدِ مثلًا يُقالُ لهُ دِيةٌ حقِيقةً، إذ قد وقع التّعبِيرُ بِهِ فِي كلامِهِم.
أمّا الشّافِعِيّةُ والحنابِلةُ فعمّمُوا تعرِيف الدِّيةِ لِيشمل ما يجِبُ فِي الجِنايةِ على النّفسِ وعلى ما دُون النّفسِ.
قال الشّافِعِيّةُ: (هِي المالُ الواجِبُ بِالجِنايةِ على الحُرِّ فِي نفسٍ أو فِيما دُونها) .
وقال الحنابِلةُ: (إنّها المالُ المُؤدّى إلى مجنِيٍّ عليهِ، أو ولِيِّهِ، أو وارِثِهِ بِسببِ جِنايةٍ) .
وتُسمّى الدِّيةُ عقلًا أيضًا، وذلِك لِوجهينِ:
أحدُهُما: أنّها تعقِلُ الدِّماء أن تُراق.
والثّانِي: أنّ الدِّية كانت إذا وجبت وأُخِذت مِن الإِبِلِ تُجمعُ فتُعقلُ، ثُمّ تُساقُ إلى ولِيِّ الدّمِ.
انظر: (الموسوعة الفقهية) (21/ 44) .