الطاعة الشرعية .. لتكون الكرامة في حياة علماء الحديث قدرية وشرعية .. ولذلك كان أول أوجه الإعجاز هو علماء الحديث أنفسهم، ومن هنا كان امتلاء واقع علماء الحديث بالطاعة التي بلغت حد الكرامة مثلما كانت الرؤى، ابتداءً من كمال الطاعة حتى بلغت أن تكون أهم منطلقات علم الحديث نفسه، وهذه هي العلاقة بين كرامة الطاعة وعلم الحديث.
ونعود إلى البخاري .. لتفسير علاقة التجانس بين علم الحديث وحياة علمائه من حيث الطاعة .. وذلك عندما أرسل إليه أمير بخارى يأمره أن يأتي إلى قصره يعلِّمه ويعلِّم أولاده، فبعث إليه يقول: إني لا أذهب بالعلم إلى أبواب السلاطين، إن كنت تريد علمًا فائتني في مسجدي أو في بيتي، وذلك اقتضاء لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتُتِن» [1] .
فكانت هذه هي الطاعة التي نشأ بها مصطلح «يتبع السلطان» في علم الجرح والتعديل، مثال ذلك: ما أورده الطبراني، عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أطعم مؤمنًا حتى يشبعه من سغب أدخله الله بابًا من أبواب الجنة لا يدخله إلا من كان مثله» رواه الطبراني في الكبير وفيه عمرو بن واقد وفيه كلام، وقال محمد بن المبارك الصوري: كان «يتبع السلطان» وكان صدوقًا [2] .
ولعلنا نلاحظ أن عمرو بن واقد الذي جرَّحه ابن المبارك «كان صدوقا» ، ولكنه
(1) (متفق عليه) أخرجه البخاري في (بدء الوحي/4) ، ومسلم في (الإيمان/160) من حديث عائشة.
(2) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي.