من حيث هو ابتلاء للعباد وامتحان لهم لينظر كيف يعملون من غير التفات إلى غير ذلك وهذا مبنى على أن الأسباب والمسببات موضوعة في هذه الدار ابتلاء للعباد وامتحانا لهم فإنها طريق إلى السعادة أو الشقاوة وهي على ضربين أحدهما ما وضع لابتلاء العقول وذلك العالم كله من حيث هو منظور فيه وصنعة يستدل بها على ما وراءها والثانى ما وضع لابتلاء النفوس وهو العالم كله أيضا من حيث هو موصل إلى العباد المنافع والمضار ومن حيث هو مسخر لهم ومنقاد لما يريدون فيه لتظهر تصاريفهم تحت حكم القضاء والقدر ولتجرى أعمالهم تحت حكم الشرع ليسعد بها من سعد ويشقى من شقى وليظهر مقتضى العلم السابق والقضاء المحتم الذى لا مرد له فإن الله غني عن العالمين ومنزه عن الإفتقار في صنع ما يصنع إلى الأسباب والوسائط لكن وضعها للعباد ليبتليهم فيها والأدلة على هذا المعنى كثيرة كقوله سبحانه هوالذى خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا إلى قوله ويعلم الصابرين وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ثم صرفكم عنهم ليبتليكم إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن وضع الأسباب إنما هي للإبتلاء فإذا كانت كذلك فالآخذ لها من هذه