فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 1506

أما الإخلاص فلأن المكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي خارج عن حظوظه قائم بحقوق ربه واقف موقف العبودية بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه فإنه عند الإلتفات إليه متوجه شطره فصار توجهه إلى ربه بالسبب بواسطة التوجه إلى المسبب ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص

وأما التفويض فلإنه إذا علم أن المسبب ليس بداخل تحت ما كلف به ولا هو من نمط مقدوراته كان راجعا بقلبه إلى من إليه ذلك وهو الله سبحانه فصار متوكلا ومفوضا هذا في عموم التكاليف العادية والعبادية ويزيد بالنسبة إلى العبادية أنه لا يزال بعد التسبب خائفا وراجيا فان كان ممن يلتفت إلى المسبب بالدخول في السبب صار مترقبا له ناظرا الى ما يؤول إليه تسببه وربما كان ذلك سببا إلى إعراضه عن تكميل السبب استعجالا لما ينتجه فيصير توجهه الى ما ليس له وقد ترك التوجه إلى ما طلب بالتوجه اليه وهنا تقع حكاية من سمع أن من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فأخذ بزعمه في الإخلاص لينال الحكمة فتم الأمد ولم تأته الحكمة

فسأل عن ذلك فقيل له إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله وهذا واقع كثيرا في ملاحظات المسببات في الأسباب ربما غطت ملاحظاتها فحالت بين المتسبب وبين مراعاة الأسباب وبذلك يصير العابد مستكثرا لعبادته والعالم مغترا بعلمه الى غير ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت