قسم التوهمات وهي مختلفة وكذلك أهواء النفوس فإنها تقدر أشياء لا حقيقة لها
فالصواب الوقوف مع أصل العزيمة إلا في المشقة المخلة الفادحة فإن الصبر أولى مالم يؤد ذلك إلى دخل في عقل الإنسان أو دينه وحقيقة ذلك ان لا يقدر على الصبر لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه فأنت ترى بالإستقراء أن المشقة الفادحة لا يلحق بها توهمها بل حكمها أضعف بناء على أن التوهم غير صادق في كثير من الأحوال فإذا ليست المشقة بحقيقية والمشقة الحقيقية هى العلة الموضوعة للرخصة فإذا لم توجد كان الحكم غير لازم إلا إذا قامت المظنة وهى السبب مقام الحكمة فحينئذ يكون السبب منتهضا على الجواز لا على اللزوم لأن المظنة لا تستلزم الحكمة التى هى العلة على كمالها فالأحرى البقاء مع الأصل وأيضا فالمشقة التوهمية راجعة إلى الاحتياط على المشقة الحقيقية والحقيقية ليست في الوقوع على وزان واحد فلم يكن بناء الحكم عليها متمكنا
وأما الراجعة إلى أهواء النفوس خصوصا فإنها ضد الأولى إذ قد تقرر أن قصد الشارع من وضع الشرائع إخراج النفوس عن أهواءها وعوائدها فلا تعتبر في شرعية الرخصة بالنسبة إلى كل من هويت نفسه أمرا ألا ترى كيف ذم الله تعالى من اعتذر بما يتعلق بأهواء النفوس ليترخص كقوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنى الآية لأن الجد بن قيس قال ائذن لى في التخلف عن الغزو ولا تفتنى ببنات الأصفر فإنى لا أقدر على الصبر عنهن
وقوله تعالى وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا الآية ثم