صارت العزيمة معها من الواجب المخير إذ صار هذا المترخص يقال له إن شئت فافعل العزيمة وإن شئت فاعمل بمقتضى الرخصة وما عمل منهما فهو الذي واقع واجبا في حقه على وزان خصال الكفارة فتخرج العزيمة في حقه عن أن تكون عزيمة
وأما إذا فرعنا على أن الإباحة فيها بمعنى رفع الحرج فليست الرخصة معها من ذلك الباب لأن رفع الحرج لا يستلزم التخيير ألا ترى أن رفع الحرج موجود مع الواجب وإذا كان كذلك تبينا أن العزيمة على أصلها من الوجوب المعين المقصود للشارع فإذا فعل العزيمة لم يكن بينه وبين من لا عذر له فرق لكن العذر رفع الحرج عن التارك لها إن اختار لنفسه الإنتقال إلى الرخصة
وقد تقرر قبل أن الشارع إن كان قاصدا لوقوع الرخصة فذلك بالقصد الثاني
والمقصود بالقصد الأول هو وقوع العزيمة
والذي يشبه هذه المسألة الحاكم إذا تعينت له في إنفاذ الحكم بينتان إحداهما في نفس الأمر عادلة والأخرى غير عادلة فإن العزيمة عليه أن يحكم بم أمر به من أهل العدالة في قوله تعالى وأشهدوا ذوى عدل منكم وقال ممن ترضون من الشهداء فإن حكم بأهل العدالة أصاب أصل العزيمة وأجر أجرين وإ ن حكم بالأخرى فلا إثم عليه لعذره بعدم العلم بما في نفس الأمر وله أجر في اجتهاده وينفذ ذلك الحكم على المتحاكمين كما ينفذ مقتضى الرخصة على المترخصين فكما لا يقال في الحاكم إنه مخير بين الحكم بالعدل والحكم بمن ليس بعدل كذلك لا يقال هنا إنه مخير مطلقا بين العزيمة والرخصة
فإن قيل كيف يقال إن شرع الرخص بالقصد الثاني وقد ثبت قاعدة رفع الحرج مطلقا بالقصد الأول كقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين