فسمى هذه بالرحمة مبالغة وهذه بالعذاب مبالغة
فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد ثبت أن في النار دركات بعضها أشد من بعض كما أنه جاء في الجنة أن فيها درجات بعضها فوق بعض وجاء في بعض أهل النار أنه في ضحضاح مع أنه من المخلدين وجاء أن في الجنة من يحرم بعض نعيمها كالذي يموت مدمن خمر ولم يتب منها وإذا كانت دركات الجحيم أعاذنا الله منها بعضها أشد فالذي دون الأشد أخف من الأشد والخفة مما يقتضيه وصف الرحمة التي تحصل مصلحة ما وأيضا فالقدر الذي وصل إليه العذاب بالنسبة إلى ما يتوهم فوقه خفيف كما أنه شديد بالنسبة إلى ما هو دونه وإذا تصورت الخفة ولو بنسبة ما فهي مصلحة في ضمن مفسدة العذاب كما أن درجات الجنة كذلك في الطرف الآخر فإن الجزاء على حسب العمل وإذا كان عمل الطاعة قليلا بسبب كثرة المخالفة كان الجزاء على تلك النسبة ومعلوم أن رتبة آخر من يدخل الجنة ليست كرتبة من لم يعص الله قط ودأب على الطاعات عمره وإنما ذلك لأجل عمل الأول السببي فكان جزاؤه على الطاعة في الآخرة نعيما كدره عليه كثرة المخالفة وهذا معنى ممازجة المفسدة فإذا كان كذلك فالقسمان معا قسم واحد
فالجواب أنه لا يصح في المنقول ألبتة أن تكون الجنة ممتزجة النعيم بالعذاب ولا أن فيها مفسدة ما بوجه من الوجوه هذا مقتضى نقل الشريعة نعم العقل لا يحيل ذلك فإن أحوال الآخرة ليست جارية على مقتضيات العقول كما أنه لا يصح أن يقال في النار إن فيها للمخلدين رحمة تقتضي مصلحة ما
ولذلك قال تعالى لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون فلا حالة هنالك ليستريحوا إليها وإن قلت كيف وهي دار العذاب عياذا بالله منها وما جاء في حرمان الخمر فذلك راجع إلى معنى المراتب فلا يجد من يحرمها ألما بفقدها