والمصالح والمفاسد إذا كانت راجعة إلى خطاب الشارع وقد علمنا من خطابه أنه يتوجه بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات حتى يكون الإنتفاع المعين مأذونا فيه وقت أو حال أو بحسب شخص وغير مأذون فيه إذا كان على غير ذلك فكيف يسوغ إطلاق هذه العبارة أن الأصل في المنافع الإذن وفى المضار المنع
وأيضا فإذا كانت المنافع لا تخلو من مضار وبالعكس فكيف يجتمع الإذن والنهي على الشىء الواحد وكيف يقال إن في الأصل في الخمر مثلا الإذن من حيث منفعة الإنتشاء والتشجيع وطرد الهموم والأصل فيها أيضا المنع من حيث مضرة سلب العقل والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما لا ينفكان أويقال الأصل في شرب الدواء المنع لمضرة شربه لكراهته وفظاعته ومرارته والأصل فيه الإذن لأجل الإنتفاع به وهما غير منفكين فيكون الأصل في ذلك كله الإذن وعدم الإذن معا وذلك محال
فإن قيل المعتبر عند التعارض الراجح فهو الذي ينسب إليه الحكم وما سواه في حكم المغفل المطرح
فالجواب أن هذا مما يشد ما تقدم إذ هو دليل على أن المنافع ليس أصلها الإباحة بإطلاق وأن المضار ليس أصلها المنع بإطلاق بل الأمر في ذلك راجع إلى ما تقدم وهو ما تقوم به الدنيا للآخرة وإن كان في الطريق ضرر ما متوقع أو نفع ما مندفع