إلا أنه قد يكون في الشرع سببا لأمر شاق على المكلف ولكن لا يكون قصد من الشارع لإدخال المشقة عليه وإنما قصد الشارع جلب مصلحة أو درء مفسدة كالقصاص والعقوبات الناشئة عن الأعمال الممنوعة فإنها زجر للفاعل وكف له عن مواقعة مثل ذلك الفعل وعظة لغيره أن يقع في مثله أيضا
وكون هذا الجزاء مؤلما وشاقا مضاه لكون قطع اليد المتأكلة وشرب الدواء البشيع مؤلما وشاقا فكما لا يقال للطبيب إنه قاصد للإيلام بتلك الأفعال فكذلك هنا فإن الشارع هو الطبيب الأعظم والأدلة المتقدمة في أن الله لم يجعل في الدين من حرج ولا يريد جعله فيه ويشبه هذا ما في الحديث من قوله
ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له من الموت لأن الموت لما كان حتما على المؤمن وطريقا إلى وصوله إلى ربه وتمتعه بقربه في دار القرار صار في القصد إليه معتبرا وصار من جهة المساءة فيه مكروها وقد يكون لاحقا بهذا المعنى النذور التي يشق على الإنسان الوفاء بها لأن المكلف لما أريح من مقتضياتها كان التزامها مكروها فإذا وقع وجب الوفاء بها من حيث هى عبادات وإن شقت كما لزمت العقوبات بناء على التسبب فيها حتى إذا كانت النذور فيما ليس بعبادة أو كانت في عبادة لا تطاق وشرعت لها تخفيفات أو كانت مصادمة لأمر ضروري أو حاجي في الدين سقطت كما إذا حلف بصدقه ماله فإنه يجزئه الثلث أو نذر المشي إلى مكة راجلا فلم يقدر فإنه يركب ويهدى أو كما إذا نذر أن لا يتزوج أو لا يأكل الطعام فإنه يسقط حكمه إلى أشباه ذلك