فانظر كيف صحبه الرفق الشرعي فيما أدخل نفسه فيه من المشقات
فعلى هذا كون الشارع لا يقصد إدخال المشقة على المكلف عام في المأمورات والمنهيات
ولا يقال إنه قد جاء في القرآن فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فسمي الجزاء اعتداء وذلك يقتضى القصد إلى الاعتداء ومدلوله المشقة الداحلة على المعتدى
لأنا نقول تسمية الجزاء المرتب على الاعتداء اعتداء مجاز معروف مثله في كلام العرب وفى الشريعة من هذا كثير كقوله تعالى الله يستهزىء بهم ومكروا ومكر الله إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا إلى أشباه ذلك
فلا اعتراض بمثل ذلك
وقد تكون المشقة الداخلة على المكلف من خارج لا بسببه ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه فههنا ليس للشارع قصد في بقاء ذلك الألم وتلك المشقة والصبر عليها كما أنه ليس له قصد في التسبب في إدخالها على النفس غير أن المؤذيات والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاء للعباد وتمحيصا وسلطها عليهم كيف شاء ولما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وفهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق رفعا للمشقة اللاحقة وحفظا على الحظوظ التى أذن لهم فيها بل أذن في التحرز منها عند توقعها وإن لم تقع تكملة لمقصود العبد وتوسعة عليه وحفظا على تكميل الخلوص في التوجه إليه والقيام بشكر النعم
فمن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد وفى التداوى عند وقوع الأمراض وفى التوقي من كل مؤذ آدميا كان أو غيره والتحرز من المتوقعات حتى يقدم العدة لها وهكذا سائر ما يقوم به عيشه في هذه الدار