ما خلقناهما إلا بالحق وإن كان لحكمة ومصلحة فالمصلحة إما أن تكون راجعة إلى الله تعالى أو إلى العباد ورجوعها إلى الله محال لأنه غني ويستحيل عود المصالح إليه حسبما تبين في علم الكلام فإيبق إلا رجوعها إلى العباد وذلك مقتضى أغراضهم لأن كل عاقل إنما يطلب مصلحة نفسه وما يوافق هواه في دنياه وأخراه والشريعة تكلفت لهم بهذا المطلب في ضمن التكليف فكيف ينفى أن توضع الشريعة على وفق أغراض العباد ودواعي أهوائهم وأيضا فقد تقدم بيان أن الشريعة جاءت على وفق أغراض العباد وثبتت لهم حظوظهم تفضلا من الله تعالى على ما يقوله المحققون أو وجوبا على ما يزعمه المعتزلة وإذا ثبت هذا من مقاصد الشارع حقا كان ما ينافيه باطلا
فالجواب أن وضع الشريعة إذا سلم أنها لمصالح العباد فهى عائدة علهيم بحسب أمر الشارع وعلى الحد الذى حده لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم ولذا كانت التكاليف الشرعية ثقيلة على النفوس والحس والعادة والتجربة شاهدة بذلك
فالأوامر والنواهي مخرجة له عن داوعي طبعه واسترسال أغراضه حتى يأخذها من تحت الحد المشروع وهذا هو المراد وهو عين مخالفة الأهواء والأغراض
أما أن مصالح التكليف عائدة على المكلف في العاجل والآجل فصحيح ولا يلزم من ذلك أن يكون نيله لها خارجا عن حدود الشرع ولا أن يكون متناولا لها بنفسه دون أن يناولها إياه الشرع وهذا ظاهر وبه يتبين أن لا تعارض بين هذا الكلام وبين ما تقدم لأن ما تقدم نظر في ثبوت الحظ والغرض من حيث أثبته الشارع لا من حيث اقتضاه الهوى والشهوة وذلك ما أردنا ههنا