الخلات وذلك أن حكمة الحكيم الخبير حكمت أن قيام الدين والدنيا إنما يصلح ويستمر بدواع من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو وغيره
فخلق له شهوة الطعام والشراب إذا مسه الجوع والعطش ليحركه ذلك الباعث إلى التسبب في سد هذه الخلة بما أمكنه وكذلك خلق له الشهوة إلى النساء لتحركه إلى اكتساب الأسباب الموصلة إليها وكذلك خلق له الاستضرار بالحر والبرد والطوارق العارضة فكان ذلك داعية إلى اكتساب اللباس والمسكن
ثم خلق الجنة والنار وأرسل الرسل مبينة أن الاستقرار ليس ههنا وأنما هذه الدار مزرعة لدار أخرى وأن السعادة الأبدية والشقاوة الأبدية هنالك لكنها تكتسب أسبابها هنا بالرجوع إلى ما حده الشارع أو بالخروج عنه فأخذ المكلف في استعمال الأمور الموصلة إلى تلك الأغراض ولم يجعل له قدرة على القيام بذلك وحده لضعفه عن مقاومة هذه الأمور فطلب التعاون بغيره فصار يسعى في نفع نفسه واستقامة حاله بنفع غيره فحصل الانتفاع للمجموع بالمجموع وإن كان كل أحد إنما يسعى في نفع نفسه
فمن هذه الجهة صارت المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها
ولو شاء الله لكلف بها مع الإعراض عن الحظوظ أو لكلف بها مع سلب الدواعي المجبول عليها لكنه امتن على عباده بما جعله وسيلة إلى ما أراده من عمارة الدنيا للآخرة وجعل الإكتساب لهذه الحظوظ مباحا لا ممنوعا لكن على قوانين شرعية هي أبلغ في المصلحة وأجرى على الدوام مما يعده العبد مصلحة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولو شاء لمنعنا في الإكتساب الأخروى القصد إلى الحظوظ فإنه المالك وله الحجة البالغة ولكنه رغبنا في القيام بحقوقه الواجبة علينا بوعد حظي لنا وعجل لنا من ذلك حظوظا كثيرة نتمتع بها في طريق ما كلفنا به
فبهذا اللحظ قيل إن هذه المقاصد توابع وإن تلك هي الأصول فالقسم الأول يقتضيه محض العبودية والثاني يقتضيه لطف المالك بالعبيد