والمعلوم من الشريعة تقديم صاحب اليد والملك ولا يخالف في هذا عند المزاحمة على الحقوق والحاصل أن الإذن من حيث هو إذن لم يستلزم الإضرار وكيف ومن شأن الشارع أن ينهى عنه ألا ترى أنه إذا قصد الجالب أو الدافع الإضرار أثم وإن كان محتاجا إلى ما فعل فهذا يدلك على أن الشارع لم يقصد الإضرار بل عن الإضرار نهى وهو الإضرار بصاحب اليد والملك
وأما مسألة المضطر فهي شاهد لنا لأن المكره على الطعام ليس محتاجا إليه بعينه حاجة يضر به عدمها وإلا فلو فرضته كذلك لم يصح إكراهه وهو عين مسألة النزاع وإنما يكره على البذل من لا يستنضر به فافهمه وأما المحتكر فإنه خاطىء بإحتكاره مرتكب للنهي مضر بالناس فعلى الإمام أن يدفع إضراره بالناس على وجه لا يستضر هو به وأيضا فهو من القسم الثالث الذي يحكم فيه على الخاصة لأجل العامة هذا كله مع اعتبار الحظوظ
وإن لم نعتبرها فيتصور هنا وجهان
أحدهما إسقاط الإستبداد والدخول في المواساة على سواء وهو محمود جدا وقد فعل ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال عليه الصلاة و السلام
إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وأنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك واحد منهم فإذا صار كذلك لم يقدر على الإحتجان لنفسه دون غيره ممن هو مثله بل ممن أمر بالقيام عليه كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الإنفراد بالقوت دون أولاده فعلى هذا الترتيب كان