= القول الأول: أن ترتيب السور على ما هو عليه الآن لم يكن بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان باجتهادٍ من الصحابة. ونسب الزركشي هذا القول إلى جمهور العلماء، منهم: مالك، والقاضي أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده، واستقرّ عليه رأيه من أحد قولَيْه (1) .
قال الزركشي:(قال ابن فارس في كتاب المسائل الخمس: جُمِع القرآن على ضربين:
أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمِئِيْن، فهذا الضرب هو الذي تولاه الصحابة - رضوان الله عليهم -، وأما الجمع الآخر، فضم الآي بعضها إلى بعض، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شيء تولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخبر به جبريل عن أمر ربه - عزّ وجلّ -) (2) .
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما روي أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن في عهد عثمان.
وبما أخرجه أحمد، وأبو داود عن ابن عباس قال:"قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما ينزل عليه السورة ذات العدد، فإذا نزل عليه الشيء - يعني منها - دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبيّن لنا أنها منها) (3) ."
القول الثاني: أن ترتيب السور كلها توقيفي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كترتيب الآيات، فكان القرآن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتّب السور على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان. وقد ذهب إلى هذا الرأي أكثر العلماء.
(1) انظر: البرهان (1/ 257) ؛ والإتقان (1/ 156) .
(2) البرهان (1/ 258) .
(3) رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب من جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، الحديث رقم 786 (1/ 498) ، وبنحوه أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، الحديث رقم 5058 (4/ 336) .