الحياة نصفين: نصف للدين تقوده الكنيسة .. ونصف للدنيا تقوده الدولة، كما ذكرنا من قبل.
وسند رجال المسيحية في ذلك ما حكاه إنجيلهم عن المسيح - عليه السلام - أنه قال لمن سأله عن قيصر قولته المشهورة:"أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"!
ولكن الإسلام ينكر هذه القسمة للحياة ويرفضها لأمرين:
الأول: أن الإسلام يجعل الكون كله والخلق كلهم ملكا لله، وليس لقيصر فيه ذرة واحدة. فقيصر إذن وما لقيصر لله الواحد القهار. وفي هذا يقول القرآن: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 66] ، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6] ، {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] .
فلا يجوز في عقيدة الإسلام أن يخضع المسلم - مختارا - لأمر قيصر، وهو قادر على إخضاع قيصر لأمر الله، ولا يجوز أن يعطي ظاهره لقيصر، وباطنه لله: {بَل لِلَّهِ الْأُمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31] .
والثاني: أن الحياة بكل جوانبها كتلة واحدة، لا تقبل الانقسام والتفريق، إلا في الورق أو الرؤوس. أما في الواقع فالحياة كلٌّ لا يتجزّأ، ولا ينفصل فيه دين عن دولة، ولا اقتصاد عن أخلاق، ولا فرد عن أسرة، ولا أسرة عن مجتمع.
ولهذا تحاول كل المذاهب الكبرى السيطرة على كل نواحي الحياة، وتوجيهها حسب فكرتها وعقيدتها. حتى الكنيسة نفسها في العصور الوسطى بأوربا، لم تطبق عمليا، ما جاء في الإنجيل نظريا. وحاولت هي أن تأخذ مكان قيصر أو - على الأقل - تسيطر عليه، وتدير السياسة من خلاله.