وركوعهم وسجودهم. قبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، وربهم واحد، وحركاتهم واحدة، خلف إمام واحد.
وفي الأرض المقدسة - حيث تؤدى مناسك الحج والعمرة - تتحقق المساواة بصورة أشد ظهورا، وتتجسد تجسدا تراه العين، وتلمسه اليد، فقد يظل الناس في صف الصلاة متمايزين بما يلبسون من أنواع الثياب التي تختلف باختلاف الأقوام، أو البلدان، أو الطبقات، أما في الحج والعمرة، فإن شعيرة الإحرام تفرض على الحجاج والمعتمرين، أن يتجردوا من ملابسهم العادية، ويلبسوا ثيابا بيضاء ساذجة لم يدخلها التكلف والتصنع والتفصيل، أشبه ما تكون بأكفان الموتى، يستوي فيها القادر والعاجز، والملك والسوقة، ثم ينطلق الجميع ملبّين بهتاف واحد:"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ". مبتهلين إلى رب واحد، طائفين ببيت الله الحرام، معظمين لشعائره، لا فرق بين سيد ومسود، ولا بين آمر ومأمور.
ومن المساواة العملية التي قررها الإسلام قولا، وطبقها فعلا: المساواة أمام قانون الشرع وأحكام الإسلام.
فالحلال حلال للجميع، والحرام حرام على الجميع (1) ، والفرائض ملزمة للجميع، والعقوبات مفروضة على الجميع.
حاولتْ إحدى القبائل عند الدخول في الإسلام أن تُعفى من الصلاة حينا من الزمن، فأبى عليها ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال: «لَا خَيْرَ فِيْ دِيْنٍ لَا صَلَاةَ فِيْهِ» .
وحاول الصحابة أن يُشَفِّعُوا أسامة بن زيد - حِبّ رسول الله وابن حِبّه - في امرأة من قريش، ومن بني مخزوم، سرقت فاستحقت أن يقام عليها حد السرقة: قطع اليد، فكلّمه فيها أسامة، فغضب - صلى الله عليه وسلم - غضبته التاريخية المعروفة، وقال كلمته التي خلدها التاريخ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوْا إِذَا
(1) انظر: كتابنا"الحلال والحرام"، ص 35 - 38 تحت عنوان:"الحرام حرام على الجميع".