الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] ، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51] .
كما شاء - سبحانه - أن يكون بجوارها المصادر الاجتهادية، والأدلة الظنية، ليتسع المجال للنظر والترجيح، وتتعدد مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط، ومدارس الفكر، وفي ذلك كله نجد متسعا أيَّ متّسع للتطور المحمود، بفضل هذه المرونة العجيبة التي تضمنتها مصادر الشريعة.
ومن هنا، لم يجد المحققون من فقها المسلمين، في مختلف العصور أيَّ غضاضة أو حرج في إعلان وجوب تغي الفتوى، بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال.
يقول الإمام ابن القيم في فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب ما ذكرناه:
"هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل" (1) .
وكذلك كتب الإمام القرافي المالكي في كتابه:"الأحكام"مبينا أن استمرار الأحكام، التي مدركها العرف والعادة - مع تغير تلك العوائد - خلاف الإجماع، وجهالة في الدين.
(1) أعلام الموقعين لابن القيم (3/ 11) .