قوله: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِيْ فِي الْغَزْوِ» ، وذلك خشية أن تدرك السارق الحمية، فيلحق بالعدوّ.
وهناك احتمال آخر، وهو أن يكون رأي (عمر) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ» قالها بوصفه إماما للأمة، ورئيسا للدولة، أي: أن هذا قرار من قرارات السلطة التنفيذية، وعمل من أعمال السياسة الشرعية، وليس فتوى وتبليغا عن الله، تُلْزِم به الأمةَ في كل زمان ومكان وحال. فيكون قتل المرتد، وكل من بدّل دينه، من حق الإمام، ومن اختصاصه وصلاحية سلطته، فإذا أمر بذلك، نفذ، وإلا فلا. على نحو ما قال الحنفية والمالكية في حديث: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» ، وما قال الحنفية في حديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (1) .
لعل الاحتمال الأول هو الأرجح، ولعل الاحتمال الثاني هو ملحظ ما نقل عن الفقيه التابعي إبراهيم النخعي في حبس المرتد أبدا حتى يتوب.
هذه دلائل شتى، وأمثلة متنوعة، من نصوص الإسلام وأحكام شريعته، وهدي كتابه، وسنة نبيه، وسيرة خير القرون من أجياله، يتجلى فيها الثبات والمرونة جنبا إلى جنب، فلا تعارض ولا اصطدام، لأنه ثبات فيما يجب أن يبقى ويدوم، ومرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور، ولا يجمد على حال واحدة.
ولا عجب بعد ما ذكرنا من هدي القرآن، وسنة الرسول، ومواقف الصحابة، من الثبات والمرونة - أن نجد الفقه الإسلامي، بمختلف مدارسه ومذاهبه، يسير في نفس هذا الاتجاه ثابتا على الأصول والكليات، مَرِنًا متطورا في الفروع والجزئيات.
(1) انظر في ذلك: الأحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام للقرافي، ص 86 - 106 بتحقيق عبد الفتاح أبي غدة، والفروق للقرافي أيضا (1/ 205 - 209) .