فإذا كان التطور قانونا قائما في الكون والحياة، فالثبات قانون قائم فيهما كذلك بلا مراء.
وإذا كان في الفلاسفة من قديم، من قال بمبدأ الصيرورة والتغير باعتباره القانوني الأزلي الذي يسود الكون كله، فإن فيهم من نادى بعكس ذلك، واعتبر الثبات هو الأساس، والأصل الكلي العام للكون كله.
والحق أن المبدأين كليهما من الثبات والتغير يعملان معا، في الكون والحياة، كما هو مشاهد وملموس.
فلا عجب أن تأتي شريعة الإسلام، ملائمة لفطرة الإنسان وفطرة الوجود، جامعة بين عنصر الثبات وعنصر المرونة.
وبهذه المزية يستطيع المجتمع المسلم، أن يعيش ويستمر ويرتقي، ثابتا على أصوله وقيمه وغاياته، متطورا في معارفه وأساليبه وأدواته.
فبالثبات، يستعصي هذا المجتمع على عوامل الانهيار والفناء، أو الذوبان في المجتمعات الأخرى، أو التفكك إلى عدة مجتمعات، تتناقض في الحقيقة، وإن ظلت داخل مجتمع واحد في الصورة. بالثبات يستقر التشريع وتتبادل الثقة، وتبني المعاملات والعلاقات على دعائم مكينة، وأسس راسخة، لا تعصف بها الأهواء والتقلبات السياسية والاجتماعية ما بين يوم وآخر.
وبالمرونة، يستطيع هذا المجتمع أن يكيف نفسه وعلاقاته حسب تغير الزمن، وتغير أوضاع الحياة، دون أن يفقد خصائصه ومقوماته الذاتية.
ولكن ما هي مظاهر الثبات والمرونة في شريعة الإسلام؟ وما دلائل ذلك؟ هذا ما نبيّنه في الصفحات التالية إن شاء الله.
إن للثبات والمرونة مظاهر ودلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام، وشريعته وتاريخه.