فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 254

الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 39 - 40] .

رابعا: التحرر من العبودية للأنانية والشهوات

ومن ثمرات هذه الربانية: أنها - حين تستقر في أعماق النفس - تُحرر الإنسان من العبودية لِأنانيته، وشهوات نفسه، ولذات حسّه، ومن الخضوع والاستسلام لمطالبه المادية، ورغباته الشخصية.

وذلك أن الإنسان"الرباني"يَقِفُه إيمانه بالله وباليوم الآخر موقف الموازنة بين رغبات نفسه، ومتطلبات دينه. بين ما تدفعه إليه شهوته، وما يأمره به ربّه. بين ما يمليه عليه الهوى، وما يمليه عليه الواجب. بين متعة اليوم، وحساب الغد، أو بين لذة عاجلة في دنياه، وحساب عسير ينتظره في أخراه.

وهذه الموازنة والمساءلة جديرة أن تخلع عنه نير العبودية للهوى والشهوات، وأن ترتفع به إلى أفق أعلى من الأنانية والبهيمية، أفق الإنسانية المتحررة التي تتصرف بوعيها وإرادتها، لا بوحي بطنها وفرجها وغريزتها الحيوانية.

فإذا لم يرتق إلى هذا الأفق الوضيء، فإنه يظل رانيا إليه، حريصا عليه، متشبثا به. وإذا انحدر عنه يوما، فسرعان ما يعود إليه تائبا من ذنبه مستغفرا لربه.

فليس الإنسان الرباني هو الإنسان الملاك، الذي لا يقع في خطيئة ولا خطأ، فهذا لا وجود له إلا في عالم الخيال أو المثال. إنما الإنسان الرباني هو الإنسان"الأواب"الذي يشعر بالتقصير كلما زلّ، ويرجع إلى الله كلما أذنب: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] .

ولهذا عدّد الله أوصاف المتقين الذين أعدّ لهم جنة عرضها السماوات والأرض، وكان منها: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت