كما فطره الله، وهي سرٌّ من أسرار قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] .
وفكرة الإسلام: أن الإنسان لا يستطيع أن يكون ربانيا حقا، دون أن يكون إنسانيا، كما لا يستطيع أن يكون إنسانيا حقا، دون أن يكون ربانيا.
إن الربانية - باعتبارها غاية ووجهة - تقتضي إخلاص النية والعمل والوجهة لله وحده، وجعل رضوانه ومثوبته نهاية المقصد، وغاية السعي وراء كل حركة، وكل قول أو عمل.
ولكن المقصود بهذا كله هو تحرير الإنسان، وإسعاد الإنسان، وتكريم الإنسان، وحماية الإنسان، والسموّ بالإنسان.
فهذه كلها أهداف وغايات يحرص الإسلام عليها، ويسعى إليها، ويعمل بكل وسيلة على بلوغها والاجتهاد في تحقيقها.
والذي يراه الدارس للإسلام أن إثبات القدر الإلهي لا ينفي إيجابية الإنسان فوق هذه الأرض ودوره في هذا الكون.
فإن الله الذي خلق الإنسان هو الذي منحه العقل، ومنحه الإرادة، ومنحه القدرة، فهو بالعقل يفكر، وبالإرادة يرجح، وبالقدرة ينفّذ، وهذه كلها منح من الله للإنسان، فهو قادر بقدرة الله، ومريد بإرادة الله. وهذا معنى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30] فالإنسان يشاء، لأن الله شاء له أن يشاء، وهو معنى:"لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: أن الإنسان له حولٌ وقوّةٌ، يجلب بهما النفع، ويدفع بهما الضرر، ولكن حوله وقوّته لَيْسَا من ذاته ولا بذاته، بل حوله وقوّته بالله، ومن الله."
وعلى هذا الأساس أمر الله الإنسان ونهاه، وبعث له الرسل، وأنزل عليه