فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 254

شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 60] .

ويلزم من هذا الاحترام والتقديس وحسن القبول: المسارعة إلى التنفيذ والسمع والطاعة في المنشط والمكره، دون تلكّؤٍ أو تكاسل، أو تحايل على الهرب من تكاليف النظام والتزاماته، والتقيّد بأوامره ونواهيه.

ونكفي هنا بضرب مثلين يبيّنان مواقف المسلمين والمسلمات في العهد النبوي، من شرع الله تعالى وأمره ونهيه:

أولهما: ما وقع من المؤمنين بالمدينة عقب تحريم الخمر.

وقد كان للعرب وَلَعٌ بشربِها وأقداحها ومجالسها، وقد عرف الله ذلك منهم، فأخذهم بسُنَّة التدرّج في تحريمها، حتى نزلت الآية الفاصلة تُحَرِّمُها تحريما باتًّا، وتعلن أنها: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] . وبهذا، حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - شربها، وبيعها، وإهداءها لغير المسلمين. فما كان من المسلمين حينذاك إلا أن جاؤوا بما عندهم من مخزون الخمر، وأوعيتها، فأراقوها في طرق المدينة إعلانا عن براءتهم منها.

ومن عجيب أمر الانقياد لشرع الله، أن فريقا منهم حين بلغته هذه الآية، كان منهم من في يده الكأس قد شرب بعضها، وبقي بعضها في يده، فرمى بها مِنْ فِيه، وقال - إجابة لقول الله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] -: قد انتهينا يا رب!

ولو وَازَنَّا هذا النصر المبين في محاربة الخمر، والقضاء عليها في البيئة الإسلامية، بالإخفاق الذريع الذي منيت به الولايات المتحدة الأمريكية (1) حين أرادت يوما أن تحارب الخمر بالقوانين والأساطيل، لعرفنا أن البشر لا يصلحهم إلا تشريع السماء، الذي يعتمد على الضمير والإيمان قبل الاعتماد على القوة والسلطان.

(1) اقرأ هذه الموازنة بتفصيل في كتابنا:"الإيمان والحياة"في موضوع"الإيمان والأخلاق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت