وقال للجماعة الذين التزم أحدهم أن يصوم فلا يفطر، والتزم الثاني أن يقوم فلا ينام، والتزم الثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج - أبدا - قال لهم: «أَمَا، إِنِّيْ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّيْ أَصُوْمُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُوْمُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ» (1) .
وحين أقبل أبو عبيدة بِمَالٍ من البحرين، وأحسّ بعض الصحابة بقدومه فهرولوا مسرعين ينتظرون أن ينالهم شيء منه، وبدا منهم الحرص على هذا المتاع الأدنى، انتهزها النبي - صلى الله عليه وسلم - فرصة، ليحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها، والحرص على زخارفها، فخطب فيهم قائلا: «أَبْشِرُوْا وَأَمِّلُوْا، فَوَاللهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوْهَا كَمَا تَنَافَسُوْهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْكُمْ» (2)
وهكذا تعلم الصحابة أن يوازنوا بين مطالب دنياهم وآخرتهم، وأن يعملوا للدنيا كأحسن ما يعمل أهل الدنيا، ويعملوا للآخرة كأحسن ما يعمل أهل الآخرة، يقول القائد الفاتح عمرو بن العاص - رضي الله عنه:"اِعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيْشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوْتُ غَدًا" (3) .
ولم يشعروا بتعارض قطّ بين عملهم لدينهم، وعملهم لدنياهم، بل شعروا بالوحدة والانسجام والامتزاج، كانت شعائرهم وواجباتهم الدينية، تعطيهم زادًا وشخصية قوية، يواصلون بها الكفاح لدنياهم، وكانت أعمالهم الدنيوية، عونًا لهم على أداء فرائضهم الدينية .. كانوا يعتقدون أنهم - في عبادتهم ومساجدهم - ليسوا مقطوعين عن الدنيا، كما أنهم - في مزارعهم ومتاجرهم وحرفهم - غير بعيدين عن الدين، فأعمالهم هذه عبادة إذا صحّت فيها النية، والتزمتْ حدود الله.
والإسلام وسط كذلك في تشريعه ونظامه القانوني والاجتماعي.
(1) رواه البخاري.
(2) رواه البخاري.
(3) وفي"بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث"لابن أبي أسامة (ت 282 هـ) نسب هذا الكلام إلى عبد الله بن عمرو بن العاص. انظر فيه (2/ 983) برقم [1093] ، ونصه: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، ثنا أَبُو عَمْرٍو الصَّفَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَيْزَارِ [ولعلّ الصواب: عبيد الله بن العيزار] قَالَ: لَقِيتُ شَيْخًا بِالرَّمْلِ مِنَ الْأَعْرَابِ كَبِيرًا فَقُلْتُ لَهُ: لَقِيتَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: مَنْ؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «احْرِزْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا» . وانظر تفاصيل الكلام في"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة"للألباني، حديث رقم 8.