وهذه خصيصة أخرى من الخصائص العامة للإسلام، وهي"الواقعية".
لسنا نعني بالواقعية ما عناه بعض الفلاسفة الغربيين من"الماديين"أو"الوضعيين"، من إنكار كل ما وراء الحس، وما بعد الطبيعة، واعتبار"الواقع"هو الأشياء المحسة، والمادة المتحيرة، وما عدا ذلك - مما أثبته الوحي أو العقل أو الفطرة - لا يعدّ واقعا موجودا، فلا إله عندهم للكون، ولا روح للإنسان، وليس وراء هذا العالم المشهود غيب أو عالم غير منظور، ولا بعد هذه الحياة الدنيا حياة! لأن هذه كلها لا يثبتها الواقع المشاهد الملموس.
هذا المفهوم للواقعية لا تعنيه قطعا، لمصادمته للوحي وللفطرة وللعقل. وكذلك لا نعني بالواقعية قبول الواقع على علاته، والخضوع له على ما فيه من قذارة وهبوط، دون محاولة للارتفاع به، وبذل الجهد في تنظيفه وترقيته.
كلا، إنما نعني بـ"الواقعية": مراعاة واقع الكون من حيث هو حقيقة واقعة، ووجود مشاهد، ولكنه يدل على حقيقة أكبر منه، ووجود أسبق وأبقى من وجوده، وهو وجود الواجب لذاته، وهو وجود الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا.
ومراعاة واقع الحياة من حيث هي مرحلة حافلة بالخير والشر، تنتهي بالموت، وتمهد لحياة أخرى بعد الموت، توفي فيها كل نفس ما كسبت، وتخلد فيما عملت.