ولا يرضى من المسلم أن يكون"ربانيا"طالما كان بجوار البيت الحرام، والمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمشاعر المقدسة، فإذا أتمّ نسكه، وقضى حجّه وعمرتَه وزيارته، وشرع في رحلة العودة، نسي"الجوّ الرباني"و"المعنى الرباني"، وغرق في لجة الحياة المادية كما يغرق الغافلون.
أجل، لا يرضى الإسلام ذلك للمسلم، وإنما يريد له صلة دائمة بمولاه، في المسجد، والطريق، والبيت، والعمل، في رمضان، وشوال، وسائر الشهور، في جوّ المناسك الطهور في مكة، وعرفات، والمدينة، وبعد العودة إلى الأوطان، في كل مكان، وكل زمان، وكل حال.
ولهذا، يوصي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «اِتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» (1) .
ويقول القرآن: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] .
ويقول الرسول: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» (2) .
وهناك طريق آخر لغرس الربانية في ضمير المسلم وفي حياته، ذلك هو طريق الآداب اليومية التي تتخلل حياة المسلم: من الأكل والشرب، واللبس والتزيين، والنوم واليقظة، والركوب والسفر، والجلوس والمشي، إلى غير ذلك من الأحوال الفردية والاجتماعية.
فالإسلام ينتهز فرصة هذه الأمور التي لا تخلو منها حياة الإنسان، ليربط المسلم عن طريقها بالله تعالى.
فإذا جلس على مائدة طعامه وأراد أن يبدأ الأكل، ذكر الله الذي هيّأ له الأسباب حتى وصل إليه هذا الرزق الطيب، فكانت بدايته:"بس الله".
وإذا أحسّ بالشبع، وفرغ من طعامه، كان ختامه:"الحمد لله"، وإذا شرب
(1) رواه الترمذي.
(2) رواه البخاري.