فقد يجوز في رسالة مرحلية محدودة الزمن والإطار أن تعالج بعض التطرف في قضية ما بتطرف مضادّ، فإذا كان هناك مبالغة في الدعوة إلى الواقعية، قُوْوِمَت بمبالغة مقابلة في الدعوة إلى المثالية، وإذا كان هناك غلوّ في النزعة المادية، ردّ عليها بغلوّ معاكس في النزعة إلى الروحية. كما رأينا ذلك في الديانة المسيحية، وموقفها من النزعة المادية الواقعية عند اليهود والرومان. فإذا أدّت الدعوة المرحلية دورها الموقوت، وحدت من الغلو، ولو بغلو مثله، كان لا بد من العودة إلى الحد الوسط، وإلى الصراط السوي، فتعتدل كَفَتَا الميزان، وهذا ما جاءت به رسالة الإسلام بوصفها رسالة عالمية خالدة.
على أن في الوسطية معاني أخرى تميّز منهج الإسلام وأمة الإسلام وتجعلها أهلا للسيادة والخلود.
1 -فمن معاني الوسطية التي وصفت بها الأمة في الآية الكريمة، ورتبت عليها شهادتها على البشرية كلها: العدل، الذي هو ضرورة لقبول شهادة الشاهد، فما لم يكن عدلا، فإن شهادته مردودة مرفوضة. أما الشاهد العدل، والحاكم العدل، فهو المرضي بين كافة الناس.
وتفسير الوسط في الآية بالعدل مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسّر الوسط هنا بالعدل (1) .
والعدل والتوسط والتوازن عبارات متقاربة المعنى، فالعدل في الحقيقة توسط بين الطرفين المتنازعين، أو الأطراف المتنازعة دون ميل أو تحيّز إلى أحدهما أو أحدها.
وهو بعبارة أخرى: موازنة بين هذه الأطراف، بحيث يعطى كلّ منها حقه دون بخس ولا جور عليه.
ومن ثم قال زهير في المدح:
هُمُو وسط يرضي الأنام بحكمهم ÷ إذا نزلت إحدى الليالي العظائم
(1) تفسير ابن كثير (1/ 190) طبعة الحلبي.