{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] .
وقد مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - للمغضوب عليهم باليهود، وللضالين بالنصارى. ولا شك أن كلا من اليهود والنصارى يمثلون الإفراط والتفريط في كثير من القضايا، فاليهود قتلوا الأنبياء، والنصارى ألّهوهم. اليهود أسرفوا في التحريم، والنصارى أسرفوا في الإباحة، حتى قالوا: كل شيء طيب للطيبين ... اليهود غلوا في الجانب المادي، والنصارى قصروا فيه، اليهود تطرفوا في اعتبار الرسوم في الشعائر والتعبدات، والنصارى تطرفوا في إلغائها.
والإسلام يعلّم المسلم أن يحذر من تطرف كلا الفريقين، وأن يلتزم المنهج الوسط، أو المستقيم، الذي سار عليه كل من رضي الله عنهم، وأنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
3 -والوسطية كذلك دليل الخيرية، ومظهر الفضل والتمييز، في الماديات والمعنويات، ففي الأمور المادية نرى أفضل حبات العقد واسطته، ونرى رئيس القوم في الوسط والأتباع من حوله. وفي الأمور المعنوية نجد التوسط دائما خيرا من التطرف.
ولهذا قال العرب في حكمهم: خير الأمور الوسط. وقال أرسطو: الفضيلة وسط بين رذيلتين. ومن هنا قال ابن كثير في قوله تعالى: {أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] (1) . {الوسط} ههنا: الخيار والأجود. كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارًا، أي خيرها. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا. ومنه: {الصَّلَاة الْوُسْطَى} التي هي أفضل الصلوات (2) .
(1) تفسير ابن كثير (1/ 190) .
(2) المصدر نفسه.