فهرس الكتاب
الشؤون المدنية، وهو المداينة، وكتابة الدين.
ويبدو شمول التشريع الإسلامي في أمر آخر، أو بعد آخر، وهو النفاذ إلى أعماق المشكلات المختلفة، وما يؤثر فيها، وما يتأثر بها، والنظر إليها نظرة محيطة مستوعبة، مبنية على معرفة النفس الإنسانية، وحقيقة دوافعها وتطلعاتها وأشواقها، ومعرفة الحياة البشرية وتنوّع احتياجاتها وتقلباتها، وربط التشريع بالقيم الدينية والأخلاقية، بحيث يكون التشريع في خدمتها وحمايتها، ولا يكون معولا لهدمها.
ومن عرف هذا جيدا، استطاع أن يفهم موقف التشريع الإسلامي وروعته من قضايا كثيرة، كالطلاق، وتعدد الزوجات، والميراث، والربا، والحدود، والقصاص، وغيرها. مما أثبتت الدراسات المقارنة، وأثبت الاستقراء التاريخي والواقعي فضل الإسلام فيه، وتفوقه على كل تشريع سابق أو لاحق.
إن عيب البشر الذي هو من لوازم ذواتهم المحدودة أنهم ينظرون إلى الأمور والأشياء من جانب واحد، غافلين عن جانب أو أكثر من جوانبها الأخرى. والحقيقة أنهم لا ذنب لهم في هذا القصور ولا حيلة، لأن النظرة المحيطة الشاملة، التي تستوعب الشيء من جميع جوانبه، وتعرف كل احتياجاته، وتدرك كل احتمالاته وتوقعاته، لا يقدر عليها إلى رب البشر وخالق الكون: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
هذا الشمول الذي تميز به الإسلام - بحيث استوعب الحياة كلها، والإنسان كله، في كل أطوار حياته، وفي كل مجالات حياته - يجب أن يقابله شمول مماثل من جانب التزام المسلمين: أعني الالتزام بهذا الإسلام كله في شموله وعمومه وسعته. فلا يجوز الأخذ بجانب من تعاليمه وأحكامه، وطرح جانب آخر، أو جوانب أخرى منها، قصدا أو إهمالا، لأنها"كل"لا يتجزّأ.