فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 254

أما الاختلاف على الوسائل والطرائق، فهو أخف وأهون، بعد الاتفاق على الغاية والوجهة:

وقد قال أحد الشعراء:

كل من في الوجود يطلب صيدًا ÷ غير أن الشباك مختلفات!

وكان أولى به أن يقول: غير أن الصيود - جمع صيد - مختلفات، لأن الخلاف الأكبر بين البشر، ليس على نوعية الشباك التي بها يحصلون على صيدهم. بل على الصيد ذاته: ماذا يكون؟ وأين يكون؟ وكم يكون؟ وكيف يكون؟

وإذا نظرنا إلى الأفراد وغاياتهم وجدناه أصنافا عديدة متنوعة:

فمنهم من يعيش حياته، غارقا في لذات حسّه، دائرًا حول مطامح نفسه، فأقصى غايته، وجلّ اهتمامه، ومحور تفكيره، يدور حول عبادة"ذاته"، يطوف بها كالوثني بصنمه، لا يخترق حجاب الحس إلى ما وراء المادة، ولا يرنو ببصره إلى شيء وراء دنياه العاجلة، وشهواته البهيمية، ومطالبه المادية الأنانية الآتية.

وفي سبيل هذه الغاية، لا يبالي أن يضحي بكل ما يعوقه، ويقف في سبيله من القيم والمثل والمعتقدات، وبكل من يعوقه، ويقف في طريق شهواته من البشر.

يفعل ذلك جهرة إن ملك القدرة عليه، وكان ذا جاه وسلطان، وقد يرتكبه سرًّا وخفية، فرارًا من طائلة العقاب والقانون.

في سبيل شهواته وأهوائه، ومطامعه ومصالحه، لا يهمّه أن يبذل العرض، أو يهدر الشرف، أو يضيع الأهل والولد، أو يبيع الصديق، أو يخون الوطن، أو يتمرد على العقيدة.

لا يحجزه عن ذلك ضمير، فقد مات ضميره، وأهيل عليه التراب، ولا إيمان، فلا إيمان لمن كان إلهه هواه، وشهوته معبوده، ولا عقل، فإن شهواته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت