6 -وهو وسط بين الذين يؤمنون بالعقل وحده مصدرا لمعرفة حقائق الوجود، وبين الذين لا يؤمنون إلا بالوحي والإلهام، ولا يعترفون للعقل بدور في نفيٍ أو إثبات.
فالإسلام يؤمن بالعقل، ويدعوه للنظر والتفكير، وينكر عليه الجمود والتقليد، ويخاطبه بالأوامر والنواهي، ويعتمد عليه في إثبات أعظم حقيقتين في الوجود، وهما وجود الله تعالى (1) ، وصدق دعوى النبوة، ولكنه يؤمن بالوحي، مكملا للعقل، ومعينا له فيما تضل فيه العقول وتختلف، وما تغلب عليه الأهواء، وهاديا له إلى ما ليس من اختصاصه، ولا هو في مقدوره، من الغيبيات والسمعيات وطرائق التعبد لله تعالى.
والإسلام وسط في عباداته، وشعائره بين الأديان، والنحل التي ألغت الجانب"الرباني"- جانب العبادة والتنسك والتألّه - من فسلفتها وواجباتها، كالبوذية التي اقتصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده .. وبين الأديان والنحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج، كالرهبانية المسيحية.
فالإسلام يكلف المسلم أداء شعائر محدودة في اليوم كالصلاة، أو في السنة كالصوم، أو في العمر مرة كالحج، ليظل دائما موصولا بالله، غير مقطوع عن رضاه، ثم يطلقه بعد ذلك ساعيا منتجا، يمشي في مناكب الأرض، ويأكل من رزق الله.
ولعل أوضح دليل نذكره هنا: الآيات الآمرة بصلاة الجمعة: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
(1) هذه الحقيقة الأولى والكبرى لم تثبت بطريق الوحي إلى رسول، فإن الوحي والرسالة فرع عن ثبوت الموحي والمرسل، وهو الله، وإنما ثبتت هذه الحقيقة بضرورة العقل، وغريزة الفطرة معا.