فإن الشريعة نفسها، بعد أن بيّنت الحلال الصريح، والحرام الصريح، تركتِ المنطقةَ التي تختلط فيها الأوصاف، ويشتبه فيها الحكم، وفوّضت لكل امرئ أن يستفتي فيها قلبه، ويتحرّى فيها طمأنينة نفسه، أخذًا بالأحوط والأسلم. هكذا قضى الرسول الحكيم حيث يقول: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ» (1) «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» (2) .
د- ثم ترك الوحي للعقل بعد ذلك أن يجول في آفاق هذا الكون العريض ما شاء، صاعدا إلى الأفلاك، وهابطا إلى الأرض، ومتأملا في النفس: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] ، {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 - 21] .
ترك له أن يكشف من ظواهر هذا الكون ما استطاع، وأن يسخر من قواه ما قدر عليه، فكل ما فيه، سخّره الله لمنفعته: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] ، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [إبراهيم: 32 - 34] .
هـ- ترك له أن يبتكر، ويخترع في وسائل الحياة، وأمور الدنيا ما شاء، ما دام ملتزما حدود الحق والعدل: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» (3) ، وَلَا تَنْسَ
(1) متفق عليه.
(2) رواه الإمام أحمد والدارمي بإسناد حسن.
(3) رواه مسلم بلفظ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [2363] .