فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 254

وثانيهما: موقف النساء المسلمات الأول مما حرم الله عليهم من تبرّج الجاهلية، وما أوجب عليهن من الاحتشام والتستّر، فقد كانت المراة في الجاهلية تمرّ كاشفةً صدرَها، لا يواريه شيء، وكثيرا ما أظهرت عنقها وذوائب شعرها، وأقراط آذانها، فحرم الله على المؤمنات تبرّج الجاهلية الأولى، وأمرهن أن يتميّزن عن نساء الجاهلية، ويخالفن شعارهن، ويلزمن الستر والأدب في هيئاتهن وأحولهن، بأن يضرب بخمرهن على جيوبهن، أي: يشددن أغطية رؤوسهن، بحيث تغطي فتحة الثوب من الصدر، فتواري النحر، والعنق، والأذن.

وهنا تروي لنا السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - كيف استقبل نساء المهاجرين والأنصار في المجتمع الإسلامي الأول، هذا التشريع الإلهي، الذي يتعلق بتغيير شيء هام في حياة النساء، وهو البيئة والزينة والثياب.

قالت عائشة:"يَرْحَمُ اللهَ نِسَاءَ الْمُهَاجِرِيْنَ الْأُوَلِ، لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] ، شَقَقْنَ مُرُوْطَهُنَّ - أَكْيِسَةٌ مِنْ صُوْفٍ أَوْ خُزٍّ - فَاخْتَمَرْنَ بِهَا" (1) .

وَجَلَسَ إِلَيْهَا بَعْضُ النِّسَاءِ يَوْمًا، فَذَكَرْنَ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِنِسَاءَ قُرَيْشٍ لَفَضْلًا، وَإِنِّيْ - وَاللهِ - مَا رَأَيْتُ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، وَلَا أَشَدَّ تَصْدِيْقًا لِكِتَابِ اللهِ، وَلَا إِيْمَانًا بِالتَّنْزِيْلِ. لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُوْرَةُ النُّوْرِ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] فَانْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُوْنَ عَلَيْهِنَّ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِيْهَا، وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَعَلَى كُلِّ ذِيْ قَرَابَتِهِ، فَمَا مِنْهُنَّ اِمْرَأَةٌ إِلَّا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا المُرَحَّلِ - اَلْمُزَخْرَفِ اَلَّذِيْ فِيْهِ تَصَاوِيْرُ - فَاعْتَجَرَتْ بِهِ - شَدَّتْهُ عَلَى رَأْسِهَا - تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ، فأصبحْنَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ مُعْتَجَرَاتٍ، كَأَنَّ عَلَى رُؤُوْسِهِنَّ الْغِرْبَانُ" (2) "

(1) رواه البخاري.

(2) ذكره ابن كثير في آية النور عن ابن أبي حاتم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت