الكتب، ووضع نصب عينيه الثواب والعقاب، ولولا أن الإنسان ذو إرادة وقدرة، ما كان لتحميله أمانة التكاليف معنى، ولا كان ثوابه وعقابه مما يوافق العدل الإلهي، والحكمة الإلهية، ولا كان هناك معنى لاستخلافه في الأرض، واستعماره فيها كلما قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] ، أي طلب إليكم عمارتها.
إن الإنسان مخلوق لله، ولكنه مخلوق متميّز بمواهبه، وملكاته، وقواه، الروحية، والعقلية، والمادية، التي أهله الله بها ليحمل مسؤولية الخلافة وأمانة التكاليف، وهي أمانة بلغت من العظم والثقل مبلغا عبّر عنه القرآن بهذه الصورة الفنية البليغة حين قال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72] .
إن الإنسان مخلوق مكلّف مسؤول، وعليه أن يكدح حتى يلقى ربّه، فيجزيه بكدحه، إن خيرا فخير، وإن شرا فَشَرٌّ. ولهذا وجه الله إليه الخطاب بقوله: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] .
ولا ينبغي للإنسان أن يغرّه شيء، أو يخدعه خادع عن ربّه وما له عليه من حق، وإن كان نفر من بني الإنسان للأسف غرّتهم الحياة الدنيا، وغرّهم بالله الغرور، واستحقوا أن يناديهم ربهم بهذا النداء العاتب: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6 - 8] .
وإذا كان الإسلام منهجا إلهيا وضعه رب الناس للناس، فليس معنى هذا هو إلغاء دور الإنسان أمام هذا المنهج، وتنحيته من طريقه، والحكيم