ومن مظاهر الوضوح في النظام الإسلامي أن له مصادر محددة بيّنة، تستغني منها فلسفته النظرية، وتشريعاته العملية.
فالمصدر الأول هو كتاب الله: القرآن الذي: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] .
ومن خصائص هذا القرآن أنه {كِتَابٌ مُبِيْنٌ} ، حتى إن منزله - سبحانه - سمّاه {نُوْرًا} و {هُدًى لِلنَّاسِ} ، و {فُرْقَانًا} و {بُرْهَانًا} ، وَ {بَيِّنَةً} . وما ذلك إلا لشدة بيانه ووضوحه. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] ، وخاطب أهل الكتاب بقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16] ، وخاطب الرسول المُنَزَّلَ عليه هذا القرآن بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] .
وإذا كان في هذا الكتاب آيات متشابهات تحتمل أكثر من فهم، بحكم طبيعة اللغة وتنوّع دلالات الألفاظ فيها بين الحقيقة والمجاز بأنواعه، وبمقتضى طبيعة البشر وما جُبِلوا عليه من تفاوت في الفهم والاستنباط، وبموجب طبيعة الإسلام الذي يحث على الاجتهاد، واستعمال العقول، ولا يضيق بالخلاف إذا لم يؤدّ إلى عصبية أو تفرق - فإن هذه الآيات ليست شيئا كثيرا إذا قيست إلى الآيات المحكمات"الواضحات الدلالة أو القاطعات"، فهن - كما ذكر القرآن نفسه - {اُمُّ الْكِتَابِ} ، أي: أصله ومعظمه، وإليها ترد المتشابهات، فيصدق بعض الكتاب بعضا، ولا يضرب بعضه ببعض، شأن الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.