فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 254

هكذا لتشمل كل ما يصلح به الإنسان؛ بدنيا ونفسيا، فرديا واجتماعيا، وكل ما تصلح به الحياة، ماديا وروحيا، حضاريا وأخلاقيا، من عبادات ومعاملات، وآداب وأخلاق.

والشرط الثالث: هو التواصي بالحق، وصيغة {التَّوَاصِي} تدل على تفاعل من طرفين. ومعنى هذا، أن يوصي المؤمن غيره بالحق، ويقبل منه الوصية بالحق، وهذا يعطينا أن القرآن لا يتصور المؤمن إلا في مجتمع يأخذ منه ويعطيه، ولا يتصوره راهبا في صومعة، أو منقطعا في فلاة.

وبهذا لا يكتفي القرآن من المسلم أن يكون صالحا في نفسه: سليم العقيدة، صحيح العبادة، حسن المعاشرة، ثم يدع الحق مغلوبا، والباطل غالبا، والمعروف ضائعا، والمنكر ظاهرا قاهرا، وهو لا يحرك ساكنا، ولا ينطق صامتا، ولا يبذل جهدا، إن المسلم لا بد أن يعيش جنديا للحق، يؤمن به ويحبه، وينصره ويدعو إليه، وهذا أساس فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام.

والشرط الرابع: لازم للشرط الثالث، وهو التواصي بالصبر، فإن الذي يحمل رسالة الحق، يحتاج حتما إلى الصبر، يوصي به نفسه، ويوصي به غيره، ويوصيه به مثله، فمن آمن بمثل ما آمن به صاحب الحق لا بد أن يؤذى، فلا بد أن يوطن نفسه على الصبر، ولهذا قال لقمان لابنه وهو يعظه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .

وهذه الأمور الأربعة - التي يصلح بها الفرد - واضحة بحمد الله، وضوح"سورة العصر"لدى كل مسلم.

ليس الفرد الصالح في الإسلام إذن هو الذي يعتزل الحياة في صومعة، يعمر الآخرة بخراب الدنيا، ولكنه الذي يعمل للحياتين، ويجمع بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت