ومن نعمة الله، أن ليس في الدنيا كتاب توفّرت على فهمه وتفسيره كبار العقول في مختلف الأعصار والأمصار، من شتى الثقافات والمعارف، مثلما يسر الله للقرآن العظيم.
ونعني بها: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير. فهذه السنة هي الشرح النظري، والتطبيق العملي، للقرآن الكريم. فأعظم تفسير لكتاب الله يتجلى في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حياته الحافلة، وسنته الشاملة، حتى تستطيع أن تقول عنه: إنه قرآن متحرك يمشي على قدمين! قالت فيه زوجه عائشة:"كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ".
وحسبنا قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .
وقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
ومما يلحق بهذه السنة المحمدية: سنة الخلفاء الراشدين المهديين بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين نشؤوا في حجر النبوة - ونهلوا من معين الرسالة، وكانوا في حياتهم امتدادا لرسولهم ومعلمهم - صلى الله عليه وسلم - فما أثر عنهم مما اتفقوا عليه جميعهم، أو عن طائفة، ولم ينكره عليه أصحابهم، فهو سنة بها يقتدى فيهتدى، كما جاء في الحديث: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِيْ وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ الْمَهْدِيِّيْنَ مِنْ بَعْدِيْ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» .
وما عدا ذلك فكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك، لا عصمة لمجتهد، وإن علا كعبه في العلم والتقوى. وهو - على أي الحالين: أصاب أو أخطأ - غير محروم من الأجر، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. وقد عقب القرآن على حكم داود وسليمان في غنم القوم بقوله: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا