وقبل أن تسمع أذن الدنيا عن حقوق الإنسان باثني عشر قرنا أو تزيد، ويوم كان العالم كله لا ينظر للإنسان إلا من جهة ما عليه من واجبات يطالب بأدائها، وإلا كان عليه من العقاب ما يستحق، جاء الإسلام ليقرر جهرةً أن للإنسان حقوقا ينبغي أن تُرعى، كما أن عليه واجبات ينبغي أن تؤدى.
وكما أنه يُسأل عما عليه، يجب أن يُعطى ما له، فكل واجب يقابله حق، كما أن كل حق يقابله واجب.
وهذه الحقوق ليست منحة من مخلوق مثله له، يمنّ بها عليه إن شاء، ويسلبه منه متى شاء.
كلا، ليست منحة من إمبراطور أو ملك أو أمير، أو حزب أو لجنة، إنما هي حقوق قرّرها الله له بمقتضى فطرته الإنسانية، فهي حقوق ثابتة دائمة بحكم الطبيعة والشريعة جميعا.
من هذه الحقوق: حق الكرامة، حق التفكير، حق التدين والاعتقاد، حق التعبير، حق التعلم، حق التملك، حق الكفاية من العيش، حق الأمن من الخوف.
وسأقتصر هنا على الحديث الخاطف عن بعض هذه الحقوق، طلبا للاختصار، وللتفصيل مجال آخر (1) .
قدس الإسلام حق الحياة، وحماه بالتربية والتوجيه، وبالتشريع والقضاء، وبكل المؤيدات النفسية والفكرية والاجتماعية. واعتبر الحياةَ هبةً من الله لا يجوز لأحد أن يسلبها غيرُه، لا يجوز لحاكم أن يسلب حياة المحكوم، ولا لسيد
(1) وقد ألّفتْ في ذلك كتب يمكن الرجوع إليها من أراد التفصيل، أذكر منها: حقوق الإنسان في الإسلام، للدكتور علي عبد الواحد وافي، وحقوق الإنسان بين الإسلام وميثاق الأمم المتحدة، للشيخ محمد الغزالي.