عبدي فيما يبلّغ عني"، والله - تعالى - لا يصدق الكاذب، لأن تصديق الكاذب كذب، والكذب مُحَال على الله تعالى."
كل هذه مقدمات عقلية محض، ولولاها ما ثبت الوحي أصلا، ولا قام الدين رأسا.
والعقل ينظر في سيرة كل شخص يدّعي الرسالة، ويتأمل في صفاته وأخلاقه، وأقواله، وأعماله، ومدخله، ومخرجه، ليعرف منها: هل هو أهل لاصطفاء الله، أم ليس كذلك فيرفضه ويعرض عنه.
ومن أجل ذلك، احتكم القرآن في إثبات صدق رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى العقول المفكرة وحدها، فقال في صرامة ووضوح: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46] .
وقال يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ (أي: القرآن) عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] .
ب- وترك الوحي للعقل في مجال التشريع أن يجول ويصول في فهم النصوص، فيفرع على الأصول، ويقيس على الفروع، ويستنبط الأحكام، ويكيف الوقائع، ويرى القواعد في جلب المصالح، ودرء المفاسد، ورفع الحرج، وتحقيق اليسر، وتقدير الضرورات بقدرها، واعتبار العرف، ورعاية ظروف الزمان والمكان.
ولا عجب بعد، أن اختلفت المشاربن وتعدّدت المذاهب، وتنوّعت الأقوال، وخلف لنا العقل الإسلامي في ضوء الوحي: ثروةً فقهيةً طائلةً، لها مكانها الرفيع في تراث الفقه العالمي.
جـ- وترك للعقل في ميدان الأخلاق أن يصدر حكمه، وفتواه في كثير من الأعمال، التي يلتبس فيها الخير بالشرّ، ويشتبه الحلال بالحرام، ولم يغفل شأنه، بجانب الوحي، كمصدر للإلزام الأدبي، ومقياس للحكم الخلقي.