من المسجد، فَهَمَّ به الصحابة وأفزعوه، قال لهم - صلى الله عليه وسلم: «لَا تُزْرِمُوْهُ» - أي: لا تقطعوا عليه بوله - «وَصَبُّوْا عَلَيْهِ ذَنُوْبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِيْنَ، وَلَمْ تُبْعَثُوْا مُعَسِّرِيْنَ» .
وكان من أخلاقه التي وصف بها - صلى الله عليه وسلم - أنه: «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْهُ» .
ومن ذلك أنه كان يجيب عن السؤال الواحد بإجابات مختلفة، رعاية لحال السائلين، وظروف كل منهم.
ومن ذلك رعايته للضعف البشري في الناس، ومعاملتهم على أنهم آدميون خطّاؤون، لا ملائكة مطهرون. ولهذا، حينما جاءه حنظلة شاكيا من نفسه، ومن تغيّر حاله في بيته وبين زوجه وأولاده عن حاله عند النبي - صلى الله عليه وسلم - متهما نفسه بالنفاق، قال له: «يَا حَنْظَلَةُ، لَوْ دُمْتُمْ عَلَى الْحَالِ الِّتِيْ تَكُوْنُوْنَ عَلَيْهَا عِنْدِيْ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ» .
ومن ذلك سماحه بالغناء في بيت عائشة، ونهيه أبا بكر عن انتهار الجاريتين المغنيتين، وقوله: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهُمَا أَيَّامُ عِيْدٍ» .
ومن ذلك إتاحته لعائشة أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب في مسجده - صلى الله عليه وسلم - حتى تكون هي التي تنصرف، تقديرا لعواطفها وصغر سنها، حتى كان يسرب إليها من بنات الأنصار من تلعب معها ويسليها.
ومن مرونته - صلى الله عليه وسلم - تقديره لكل وجهة نظر يبديها ذو رأي من أصحابه، وإن خالفت رأيا له - صلى الله عليه وسلم - أو أمرا صدر منه، كما في إذنه - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة أن يبشر الناس أن: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، فلما عارض ذلك عمر، خشية أن يتكل الناس، أقرّه على وجهة نظره، وألغى إذنه السابق لأبي هريرة، كما في صحيح مسلم.
وإذا طالعنا هدي الصحابة - رضي الله عنهم - وهم تلاميذ مدرسة