يكاد الذين يكتبون عن الإسلام ورسالته وحضارته، في عصرنا ينقسمون إلى فئتين متقابلين: فئة تبرز جانب المرونة"والتطور"في أحكام الإسلام وتعاليمه، حتى تحسبها عجينة ليّنة قابلة لما شاء الناس من خلق وتشكيل، بلا حدود ولا قيود.
وفي الشق الآخر فئة تبرز جانب الثبات، والخلود في تشريعه وتوجيهه، حتى يخيل إليك أمام صخرة صلدة، لا تتحرك ولا تلين.
وهذا هو عيب كثير من البشر، حين ينظرون إلى القضايا من جانب واحد، مغفلين بقية الجوانب، على ما يكون لها من أهمية قصوى، فيجنحون إلى الإفراط أو التفريط.
وقليل من الكاتبين هو الذي سلم من غلوّ المفرطين، وتقصير المفرّطين (1) ، وكانت رؤيته واضحة لهذا المنهج الإلهي الفريد، الذي قام على أساسه مجتمع رباني إنساني، وحضارة متكاملة متوازنة.
والحقيقة أن المجتمع المسلم قد اختص بظاهرة فذة، تعتبر من أبرز ما يميّزه عن سائر المجتمعات الأخرى، تلك هي ظاهرة التوازن، وإن شئت قلت: ظاهرة"الوسطية"التي يشير إليه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] والتي تحدثنا عنها بتفصيل من قبل.
وإن من أجلى مظاهر التوازن والوسطية التي يتميّز بها (نظام الإسلام) ،
(1) المفرطين: الأولى - بتسكين الفاء -، والثانية - بفتح الفاء وتشديد الراء -.